بقلم ـ آمنة بنت خليل عسيري
ثمة مقاعد لا ندرك ثقلها حتى نحمل أمانتها، وقرارات تبدو يسيرة من بعيد، فإذا صرنا أصحابها أدركنا أن وراءها أرواحًا تُراعى، وحقوقًا تُصان، وأماناتٍ يُسأل عنها المرء يومًا لا تنفعه فيه مسميات المناصب ولا ألقابها.
ولعل أعجب ما في الإدارة أن الناس يرون المدير حين يتحدث، ولا يرونه حين يحتار؛ يسمعون قراره، ولا يسمعون حديثه الطويل مع نفسه قبل أن يتخذه.
فليس كل ما يستطيع المرء فعله يليق به أن يفعله، ولا كل ما يحق له قوله يحسن به أن يقوله.
وفي اليوم العالمي للمدير؛ لا أكتب تهنئةً لمن يتصدرون المشهد، وإنما أكتب لمن عرفوا ما وراءه؛ لمن حملوا همّ المكان وأهله، واضطروا إلى الحزم حين كانت نفوسهم أميل إلى اللين، حتى صار نجاح الآخرين بعضًا من راحتهم، وإخفاقهم بعضًا من أرقهم.
وما أكثر ما ننسى أننا جميعًا مررنا بمن تولّى إدارة شؤوننا، وإن اختلفت المسميات وتباعدت السنوات.
فمنذ خطواتنا الأولى في المدرسة تعاقب علينا مديرون ومديرات، وبقي لبعضهم أثرٌ لا تمحوه الأيام..ثم كبرنا، فإذا الإدارة تحيط بنا في صور شتى: أمٌّ تدبّر شؤون بيتها، وأبٌ يرعى أسرته، ومعلمٌ يقود عقولًا تتشكل أمام عينيه، وطالبٌ يتعلم أن يدير وقته وسلوكه وما أُوكل إليه. فكلٌّ منا راعٍ في موضعه، ومسؤولٌ عما استُرعي عليه، وليس كل من حمل مسؤوليةً حمل لقبًا.
ومن يعمل تحت إدارة أحد، فليجعل اختلافه بابًا للحوار، لا سببًا للخصومة.
قد يرى الموظف جانبًا من الصورة، بينما يرى المدير جوانب أخرى؛ وقد ينظر أحدهما إلى أثر القرار عليه، وينظر الآخر إلى أثره في جماعةٍ كاملة.
فليُعرض الرأي بهدوء، ولتُناقش القرارات باحترام؛ إذ لا عصمة لمدير، ولا قداسة لقرار.
وما أجمل أن يلتقي تواضع المسؤول بشجاعة الموظف، فيراجع أحدهما رأيه دون حرج، ويعرض الآخر وجهة نظره دون تجريح.
وكم من موظفٍ تألم من تقويم أدائه، وظن أن الملاحظة انتقاصٌ من قدره، مع أنها قد تكون دعوةً إلى التحسين.
وليس من الإنصاف أن نطالب المدير بالعدل ثم نرفض أن نسمع منه ما لا يرضينا، كما ليس من العدل أن يُختزل جهد إنسان في موقفٍ واحد..فالعدل أن نعطي كل ذي حقٍّ حقه، ولو خالف ذلك رغباتنا.
أما أنت أيها المديـر:
فلا تظن أن الحزم يقتضي أن يخشاك الناس، أو أن اللين يقتضي أن يتجاوزوا حدودك.
أجمل ما في الإدارة أن يكون لك قلبٌ يتسع للناس، وموقفٌ لا يتسع للظلم؛ أن تسمع العذر دون تهاون، وتحفظ النظام دون إهانة، وتملك القدرة على المحاسبة كما تملك شجاعة العفو.
وليس كل تأخرٍ إهمالًا، ولا كل اعتراضٍ تمردًا، ولا كل صمتٍ رضا. وما خسر مديرٌ هيبته لأنه أنصف، ولا نقص قدره لأنه اعتذر.
وما أحوج مدارسنا إلى إدارةٍ تدرك أن وراء الجداول والتقارير بشرًا: معلمةً تحمل ما لا تتحدث عنه..
وإداريةً تقاوم ظرفًا خفيًا..
وطالبةً قد يغير مستقبلها موقفُ احتواءٍ واحد.
فالمدير لا يدير أوراقًا فحسب، إنما يتعامل مع نفوسٍ تتأثر، وكراماتٍ ينبغي أن تُحفظ، وطاقاتٍ قد يوقظها التشجيع أو يطفئها التجريح.
وليس النجاح أن تسير الأعمال على حساب الإنسان، ولا أن يرضى الجميع على حساب العمل؛ وإنما أن يجد كل إنسان في مديره عدلًا إذا اختلف معه، ورحمةً إذا ضاقت به الحياة.
ثم إن المسؤوليات تتعاقب، والمواقع تتغير، ويبقى أثر الإنسان في النفوس أبقى مما يُكتب إلى جوار اسمه.
فالإدارة مرحلةٌ تنتهي، أما ما يتركه المسؤول من عدلٍ ورفقٍ وحسن أثر، فيبقى طويلًا بعد رحيله.
وأقولها لكل من يتولى الإدارة اليوم:
سيأتي يومٌ لا يذكر فيه الناس عدد تعاميمك، ولا كثرة اجتماعاتك، ولا صرامة توجيهاتك..
سيتذكر أحدهم أنك أنصفته، وستذكر أخرى أنك حفظت كرامتها، وقد يتذكر ثالث أنك كنت حازمًا معه حين احتاج إلى من يوقفه عن خطئه..وربما لن تعرف شيئًا من ذلك؛ فبعض الأثر يعيش في قلوب الناس بعيدًا عن أعين أصحابه.
وفي ختـام هذا المقال..
لا نطلب من كل مدير أن يكون كاملًا؛ فالكمال مطلبٌ يعجز عنه البشر.
وإنما نرجو أن يبقى إنسانًا وهو يدير، ومنصفًا وهو يختلف، ومتواضعًا وهو ينجح، كريم النفس أينما كان موقعه، وأن يتذكر أن من الأمانة ألا يظلم، ومن القوة أن يملك نفسه عند الغضب، ومن الحكمة أن يعرف أن الرفق قد يبلغ بالناس ما لا تبلغه الشدة.
فطوبى لمن تولّى فأحسن، وحَكَم فعدل، وقَدَر فعفا، وترك من جميل الأثر ما يُذكر به، ومن صالح العمل ما يرجو أن يلقى الله به.
وإلى كل من حمل يومًا أمانة الإدارة:
لا تجعلوا أعظم ما في سيرتكم أنكم كنتم مديرين؛ اجعلوا أعظم ما فيها أن الناس كانوا في أمانٍ معكم، وأن الخير بقي بعدكم.
حديث قلب ممن عرف شيئًا من ثقل المسؤولية، ويعرف أن وراء كل منصبٍ إنسانًا يستحق أن يُفـهم، وأن يُنصـف، وأن يُدعـى له.