النهار السعودية
في مشهد ثقافي تآلفت فيه الكلمة والفكرة والنغمة، شهدت جمعية أدبي الباحة أمسية أدبية متجددة، جمعت بين أفق الرواية ورؤى النقد وعذوبة الشعر وأنغام العود، في حراك يعكس حيوية المشهد الثقافي في المنطقة، ويؤكد أن الأدب يزدهر حين تتسع مساحاته للحوار، وتتعدد منابره للإبداع، وتلتقي فيه تجارب المثقفين والشعراء على محبة الكلمة وجمالياتها
واستقطبت الأمسية نخبة من المثقفين والشعراء والمهتمين بالشأن الأدبي، في لقاء تنوعت فقراته بين الطرح الفكري والمداخلات النقدية والقراءات الشعرية، وصولًا إلى تدشين مقر سفارة جمعية الأدب المهنية بالباحة، وتوقيع اتفاقية تعاون وشراكة بين الجانبين، بما يفتح آفاقًا جديدة للعمل الثقافي المشترك.
• «الرواية في عصر الرؤية».. قراءة في تحولات السرد السعودي
استهل رئيس مجلس إدارة جمعية أدبي الباحة، الشاعر الأستاذ حسن الزهراني، البرنامج بكلمة رحب فيها بالضيف الأستاذ الدكتور حسن النعمي، رئيس مجلس إدارة جمعية الأدب المهنية في المملكة، مثمنًا حضوره ومشاركته، ومؤكدًا أهمية مثل هذه اللقاءات في تنشيط الحراك الثقافي وتعزيز التواصل بين الأدباء والمثقفين. كما قدم شكره وتقديره للداعمين، وفي مقدمتهم الشيخ سعيد العنقري، تقديرًا لدعمه المستمر للجمعية وإسهامه في تعزيز حضورها الثقافي.
واستُهلت الفعاليات بورقة ثقافية قدمها الدكتور حسن النعمي بعنوان «الرواية في عصر الرؤية»، تناول فيها مسيرة الرواية السعودية ومراحل تطورها، بدءًا من مرحلة النشأة التي تمثلها رواية «التوأمان» لعبدالقدوس الأنصاري، مرورًا بمرحلة التأسيس، ثم الانطلاق والطفرة الروائية، وصولًا إلى المرحلة الراهنة، في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية وما يرتبط بها من مفاهيم جودة الحياة وتطلعات المستقبل.
وتوقف النعمي عند حضور المرأة في المشهد الاجتماعي، وما شهدته مكانتها من تحولات، وما صاحب ذلك من تجاوز بعض الحساسيات الاجتماعية، وتعزيز قدرة المجتمع على استيعاب المتغيرات التي وسعت آفاق مشاركتها. كما أشار إلى دور الاحتفاء بيوم التأسيس في تعميق الصلة بالجذور التاريخية، وترسيخ الوعي بالهوية الوطنية واستحضار امتدادها الحضاري.
وأكد أن الرواية ليست نصًا معزولًا عن واقعها، بل هي ابنة ظروفها السياسية والاجتماعية والثقافية، تتشكل في ضوء تحولات المجتمع وأسئلته. فالروائي، في نظرته العميقة، لا يكتفي برصد الواقع وتسجيل تفاصيله، بل ينفذ إلى ما وراء ظواهره، مستكشفًا تحولات الإنسان وعلاقته بمحيطه، ومستشرفًا ملامح المستقبل عبر الأسئلة التي يثيرها والآفاق التي يفتحها أمام القارئ.
وأدارت الدكتورة حنان أحمد الغامدي الحوار باقتدار، مستهلةً النقاش بتساؤلات مهدت لموضوع الورقة وأضاءت محاورها، ثم أتاحت مداخلات الحضور وأسئلتهم مساحة أرحب لتبادل الرؤى ووجهات النظر، في حوار اتسم بالثراء وتعدد المقاربات.
وفي ختام هذه الفقرة، سلّم الشيخ عبدالعزيز بن رقوش درعين تذكاريين للدكتور حسن النعمي والدكتورة حنان الغامدي، تقديرًا لمشاركتهما وإسهامهما في إثراء الأمسية.
• الشعر يزهو.. والعود ينسج إيقاعه
ومن فضاء الفكر والنقد، انتقلت الأمسية إلى رحاب الشعر، حيث تعانقت القصائد مع أنغام العود الذي عزفه جمال العباسي ، مضيفًا إلى المشهد ألقًا موسيقيًا منح الكلمات إيقاعًا وجدانيًا، وجعل من الأمسية لوحة تتداخل فيها موسيقى اللغة مع عذوبة اللحن وصدق الإحساس.
وكان الشاعر أحمد مجثل على موعد مع الحضور بقصائد اتكأت على جمال الصورة وثراء التعبير، أعقبه الدكتور محمد الشدوي، لتتواصل القراءات الشعرية بمشاركة إيمان السماني، وعبدالعزيز أبو لسه، وشريفة أحمد، وعلي هجاد، وأريج حنش، التي بدا التأثر واضحًا عليها أثناء إلقاء قصائدها، في لحظة تجلت فيها الصلة العميقة بين الشاعر ونصه، وبين التجربة الإنسانية وما تختزنه من مشاعر لا تبوح بها الكلمات إلا حين تصدر عن وجدان صادق.
كما شارك الشعراء فيصل بن صالح الغامدي، وعبدالله سليم الزهراني، ومحمد الغيلاني، مقدمين تجارب شعرية تنوعت في موضوعاتها وأصواتها، وتباينت في رؤاها وأساليبها، لتمنح الأمسية ثراءً إضافيًا، وتعكس تعدد التجارب الشعرية وتنوع مساراتها الإبداعية.
وشارك في تقديم فقرات الأمسية المذيعان التلفزيونيان محمد هضبان وأحمد البرتاوي، وأسهم حضورهما الإعلامي في تنظيم الفقرات والربط بين محطات البرنامج، بما أضفى على الأمسية انسيابية في التقديم وتنوعًا في الإيقاع.
وفي ختام الفقرة الشعرية، كرّم الشيخ عبدالعزيز بن رقوش الشعراء المشاركين بشهادات شكر وتقدير، تثمينًا لحضورهم وإسهامهم في إثراء المشهد الأدبي، واحتفاءً بما قدموه من نصوص وتجارب أضافت إلى الأمسية ألقها وجمالها.
• سفارة جمعية الأدب المهنية بالباحة.. أفق جديد للشراكة الثقافية
وفي محطة تعزز مسار العمل الثقافي المؤسسي في المنطقة، قصّ الشيخ عبدالعزيز بن رقوش الشريط إيذانًا بتدشين مقر سفارة جمعية الأدب المهنية بالباحة، بمقر جمعية أدبي الباحة في شهبة، بحضور الأستاذ الدكتور حسن النعمي، رئيس مجلس إدارة جمعية الأدب المهنية في المملكة، والأستاذ حسن الزهراني، رئيس مجلس إدارة جمعية أدبي الباحة، والأستاذ توفيق محمد غنام، رئيس فريق سفراء جمعية الأدب المهنية بالباحة.
وشهد التدشين توقيع اتفاقية تعاون وشراكة بين جمعية أدبي الباحة، ممثلة في رئيس مجلس إدارتها الأستاذ حسن الزهراني، وفريق سفراء جمعية الأدب المهنية بالباحة، ممثلًا برئيسه الأستاذ توفيق محمد غنام، في خطوة تستهدف توسيع مجالات التعاون وتوحيد الجهود لخدمة الأدب وأهله.
ويأتي تدشين المقر إيذانًا بمرحلة جديدة من العمل الثقافي المشترك، تتيح فرصًا أوسع لدعم الأدباء والأديبات، واحتضان المبادرات النوعية، وتنظيم البرامج والفعاليات التي تثري المشهد الأدبي، وتسهم في تعزيز حضور الأدب في المجتمع، وتوسيع مساحات التواصل بين المبدعين.
كما تمثل الاتفاقية إطارًا للتعاون وتبادل الخبرات والإمكانات، بما يعزز التكامل بين المؤسستين، ويدعم اكتشاف المواهب ورعايتها، ويفتح المجال أمام مبادرات نوعية تستجيب لتطلعات المثقفين والمبدعين في منطقة الباحة.
ولا يقتصر أثر هذه الخطوة على تدشين مقر أو توقيع اتفاقية، بل يمتد إلى ترسيخ مفهوم الشراكة الثقافية بوصفها عملًا مستمرًا تتكامل فيه الأدوار، وتتلاقى فيه الخبرات، وتتحول فيه الأفكار إلى مبادرات وبرامج تخدم الحركة الأدبية وتمنح الموهبة فرصتها للنمو والظهور.
• أمسية تتسع للكلمة وتحتفي بالإبداع
لم تكن الأمسية مجرد لقاء أدبي عابر، بل كانت مشهدًا ثقافيًا التقت فيه الرواية بالنقد، والشعر بالموسيقى، والفكر بالإحساس، واكتملت فقراته بتدشين مقر جديد يفتح بابًا أوسع للشراكة والعمل المشترك.
لقد أكدت الأمسية أن الحراك الثقافي الحقيقي لا يقوم على فعالية واحدة، مهما بلغت قيمتها، بل على استمرارية المبادرات وتنوع التجارب وتكامل الجهود، وعلى إيجاد فضاءات تمنح المبدعين فرصة اللقاء والتفاعل وتبادل الخبرات.
وهكذا، تواصل جمعية أدبي الباحة دورها منبرًا للكلمة ومجالًا للحوار ورافدًا للحياة الثقافية في المنطقة، مستندةً إلى ما يزخر به المكان من طاقات إبداعية، وما يحمله الأدب من قدرة على وصل الإنسان بذاكرته وواقعه وأسئلته.
فحين تتعانق الكلمة مع الفكر، ويصافح الشعر نغم العود، وتلتقي المؤسسات على هدف ثقافي مشترك، تصبح الأمسية أكثر من مناسبة عابرة؛ إنها خطوة في طريق تتجدد فيه الحياة الأدبية، وتتسع فيه آفاق الإبداع، وتظل فيه الباحة حاضنةً للكلمة الجميلة ومنابرها المضيئة.