الكاتب : النهار
التاريخ: ١٢ اكتوبر-٢٠٢٦       3520

بقلم : د. عبدالرحمن بن دحام السفان 

عندما نتحدث عن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، غالبًا ما يتبادر إلى الذهن ضعف التركيز، وكثرة الحركة، والاندفاع. لكن تأثير الاضطراب قد يمتد إلى جوانب أخرى من الحياة اليومية، قد لا ننتبه إليها كثيرًا، ومن بينها صحة الفم والأسنان.

فالعناية بالأسنان تحتاج إلى روتين منتظم، والانتباه للعادات اليومية، والالتزام بالمواعيد والتعليمات العلاجية، وهي أمور قد تكون أكثر تحديًا لبعض الأشخاص المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.

وهنا لا نتحدث عن أن الاضطراب أنه يسبب أمراض الأسنان بشكل مباشر، وإنما عن مجموعة من العوامل السلوكية والغذائية والدوائية التي قد تجعل بعض مشكلات الفم أكثر شيوعًا أو تزيد من صعوبة الوقاية منها.

كيف يمكن أن يؤثر اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه في صحة الفم؟

1. نسيان تنظيف الأسنان قد يتحول إلى مشكلة

قد يبدو تنظيف الأسنان مرتين يوميًا أمرًا بسيطًا، لكنه بالنسبة لبعض المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه قد يكون جزءًا من روتين يصعب الالتزام به باستمرار.

قد ينسى الطفل أو البالغ تنظيف أسنانه، أو يبدأ المهمة ثم ينشغل بشيء آخر، أو يجد صعوبة في الحفاظ على روتين ثابت.

ومع تكرار ذلك، قد تتراكم البكتيريا واللويحة السنية، مما يزيد من احتمالية الإصابة بتسوس الأسنان والتهاب اللثة.

لذلك، أحيانًا لا يكون الحل في تكرار عبارة: نظف أسنانك، وإنما في جعل تنظيف الأسنان عادة مرتبطة بوقت ثابت وروتين واضح، مع التذكير والتشجيع عند الحاجة.

2. كثرة الوجبات الخفيفة والسكريات

قد يرتبط الاندفاع أو بعض العادات اليومية لدى بعض الأشخاص بتناول الوجبات الخفيفة بصورة متكررة، خاصة الأطعمة والمشروبات الغنية بالسكريات. والمشكلة هنا ليست فقط في كمية السكر التي يتم تناولها، بل أيضًا في تكرار تناوله خلال اليوم.

فكل مرة يتعرض فيها الفم للسكريات، تبدأ الأحماض التي تنتجها البكتيريا بالتأثير في الأسنان. ومع تكرار هذا التعرض، قد يرتفع خطر حدوث التسوس.

ولهذا، فإن تقليل تكرار تناول السكريات والمشروبات المحلاة، واختيار الماء كخيار أساسي للشرب، يمكن أن يكون له أثر كبير في حماية الأسنان.

3. جفاف الفم عندما يقل اللعاب

قد تسبب بعض الأدوية المستخدمة لعلاج اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه جفاف الفم لدى بعض الأشخاص.

واللعاب ليس مجرد سائل موجود في الفم؛ بل هو جزء مهم من نظام الحماية الطبيعي للأسنان. فهو يساعد على معادلة الأحماض، وتنظيف بقايا الطعام، والمساهمة في الحفاظ على مينا الأسنان.

لذلك، عندما يقل إفراز اللعاب، قد يصبح الفم أكثر عرضة للتسوس ورائحة الفم الكريهة وبعض الأعراض المزعجة مثل صعوبة المضغ أو البلع.

وهنا من المهم التأكيد على أن جفاف الفم لا يحدث لدى جميع مستخدمي هذه الأدوية، كما أن شدته تختلف من شخص إلى آخر.

وإذا لاحظ المريض جفافًا مستمرًا في الفم، فمن الأفضل إخبار طبيب الأسنان والطبيب المعالج، بدلًا من إيقاف الدواء أو تغيير الجرعة من تلقاء نفسه.

4. صرير الأسنان، هل له علاقة بالاضطراب؟

قد يعاني بعض الأشخاص من صرير الأسنان، سواء أثناء النوم أو خلال ساعات اليقظة.

وقد يؤدي الصرير المستمر إلى تآكل الأسنان، وزيادة حساسيتها، وألم أو إجهاد عضلات الفك، وقد تظهر لدى بعض الأشخاص أعراض مرتبطة بالمفصل الفكي الصدغي.

لكن من المهم ألا ننسب صرير الأسنان مباشرة إلى اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه؛ فالعلاقة ليست محسومة بشكل كامل، وقد تتداخل معها عوامل أخرى، مثل التوتر، واضطرابات النوم، وبعض الأدوية.

لذلك، إذا لاحظت الأسرة أن الطفل يضغط على أسنانه أو يطحنها أثناء النوم، أو إذا كان الشخص يعاني من ألم في الفك أو صداع متكرر، فمن الأفضل مناقشة الأمر مع طبيب الأسنان.

5. الحركة والاندفاع قد يزيدان خطر إصابات الأسنان

الأطفال المصابون باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه قد يكونون أكثر عرضة لبعض الحوادث نتيجة الاندفاع أو زيادة النشاط، وقد تشمل هذه الحوادث إصابات الأسنان، خصوصًا الأسنان الأمامية.

وقد تتراوح الإصابة بين كسر جزء من السن، أو تحركه، أو في بعض الحالات فقدانه.

ولهذا، فإن الوقاية مهمة جدًا، خصوصًا أثناء ممارسة الرياضات التي تحمل خطرًا على الأسنان، حيث يمكن أن يكون حامي الفم المناسب وسيلة بسيطة وفعالة لتقليل خطر الإصابات.

6. زيارة طبيب الأسنان قد تكون تجربة مختلفة

ليست المشكلة دائمًا في الأسنان نفسها؛ أحيانًا يكون التحدي في تجربة العلاج.

قد يجد بعض المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه صعوبة في الجلوس لفترات طويلة، أو التركيز على التعليمات، أو تحمل الانتظار، أو التعامل مع بعض المثيرات الحسية الموجودة في عيادة الأسنان، مثل أصوات الأجهزة أو الإضاءة أو بعض الإحساسات داخل الفم.

وهنا يأتي دور طبيب الأسنان والفريق المعاون في جعل الزيارة أكثر سهولة وراحة. فالمريض لا يحتاج دائمًا إلى التحمل أكثر، بل قد يحتاج إلى طريقة مختلفة في التعامل معه.

كيف يمكن لطبيب الأسنان أن يجعل التجربة أفضل؟

هناك خطوات بسيطة يمكن أن تحدث فرقًا كبيرًا، منها:

• إعطاء تعليمات قصيرة وواضحة بدلًا من إعطاء عدة تعليمات في وقت واحد.

• شرح ما سيحدث للمريض قبل بدء الإجراء.

• تقسيم العلاج إلى خطوات أو جلسات قصيرة عند الحاجة.

• اختيار موعد مناسب يكون فيه المريض أكثر قدرة على التركيز والتعاون.

• تقليل وقت الانتظار قدر الإمكان.

• استخدام التشجيع والثناء بدلًا من التركيز على الأخطاء.

• تقليل المشتتات والمثيرات غير الضرورية داخل العيادة.

• سؤال المريض عن الأدوية التي يستخدمها والآثار الجانبية التي يشعر بها.

• وضع خطة وقائية تتناسب مع مستوى خطر التسوس واحتياجات المريض.

والأهم من ذلك كله: عدم التعامل مع المريض على أنه صعب أو غير متعاون، بل محاولة فهم السبب وراء سلوكه وتكييف طريقة التعامل معه.

وماذا تستطيع الأسرة أن تفعل؟

دور الأسرة مهم جدًا، خصوصًا مع الأطفال.

ويمكن لبعض الخطوات البسيطة أن تجعل العناية بالأسنان جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية:

• اجعلوا تنظيف الأسنان مرتبطًا بروتين ثابت.

مثل تنظيف الأسنان بعد الاستيقاظ وقبل النوم، بدل ترك الأمر مفتوحًا للنسيان.

• استخدموا التذكير والمؤقتات.

يمكن للاستعانة بمؤقت أو تطبيق تذكيري أن تساعد الطفل على إكمال عملية التنظيف.\

• لا تجعلوا تنظيف الأسنان معركة يومية.

إذا نسي الطفل أو لم يتعاون في إحدى المرات، فالتوبيخ المستمر قد يزيد المشكلة. الأفضل هو إعادة توجيهه وتشجيعه وبناء العادة تدريجيًا.

• انتبهوا لما يشربه ويأكله.

قللوا من المشروبات المحلاة والوجبات الخفيفة السكرية المتكررة، وشجعوا على شرب الماء.

• لا تنتظروا الألم.

زيارة طبيب الأسنان بشكل دوري تساعد على اكتشاف المشكلات مبكرًا، عندما يكون علاجها أسهل وأقل تعقيدًا.

هل يمكن الوقاية من هذه المشكلات؟

نعم، وبشكل كبير.

فالعديد من مشكلات الفم والأسنان يمكن تقليل خطرها من خلال مجموعة من الخطوات البسيطة:

تنظيف الأسنان مرتين يوميًا باستخدام معجون أسنان يحتوي على الفلورايد، وتنظيف ما بين الأسنان عند الحاجة، وتقليل تكرار السكريات، وشرب الماء، والزيارة الدورية لطبيب الأسنان.

وقد يحتاج بعض الأشخاص إلى إجراءات وقائية إضافية، مثل الفلورايد الموضعي أو سدادات الشقوق والحفر، بحسب تقييم طبيب الأسنان لخطر التسوس لديهم.

كما أن علاج جفاف الفم أو صرير الأسنان أو أي مشكلة أخرى في وقت مبكر قد يمنع تطورها إلى مشكلة أكبر.

رسالة مهمة للأهل والمرضى

اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لا يعني أن الشخص سيعاني حتمًا من مشكلات في الأسنان.

كما أن وجود تسوس أو صرير أو صعوبة في الالتزام بروتين العناية بالفم لا يعني أن الشخص مهمل.

في كثير من الأحيان، المشكلة ليست في معرفة ما يجب فعله، وإنما في القدرة على تحويل المعرفة إلى عادة منتظمة.

ولهذا، فإن أفضل طريقة للتعامل مع صحة الفم لدى المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه هي فهم احتياجاتهم، وتبسيط الروتين، وتقديم الدعم بدلًا من اللوم.

في النهاية

صحة الفم جزء من الصحة العامة، والعناية بالأسنان لا ينبغي أن تكون منفصلة عن بقية الرعاية الصحية.

ومع اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، قد تحتاج بعض العادات اليومية إلى مزيد من التنظيم والتذكير والدعم، وقد تحتاج زيارة طبيب الأسنان إلى بعض التكييف لتصبح أكثر راحة ونجاحًا.

وعندما تتعاون الأسرة، وطبيب الأسنان، والطبيب المعالج، يمكن تحويل الكثير من التحديات إلى خطوات بسيطة قابلة للتطبيق.

فأحيانًا، لا يحتاج المريض إلى نصيحة جديدة بقدر ما يحتاج إلى طريقة أسهل لتطبيق النصيحة التي يعرفها أصلًا.

والابتسامة الصحية لا تبدأ دائمًا من عيادة الأسنان؛ بل تبدأ من فهم المريض، ودعم أسرته، وبناء عادات صغيرة تستمر كل يوم.