بقلم: محمد بن عائض الجعيد
أُعنون مقالي بقول الإمام الشافعي: «جزى اللهُ الشدائدَ كلَّ خيرٍ …. وإن كانت تُغصِّصني بريقي»
وليس في استحضار هذا البيت احتفاءٌ بالشدائد، وإنما تأملٌ فيما تكشفه من حقائق؛ فكم من خطرٍ كشفت المحن امتداده، وكم من معدنٍ أظهرت الشدة أصالته، وكم من وجهٍ أسقطت الأزمات عنه قناعًا طالما استتر خلفه.
وليست كل الحروب خسائر تُحصى، ولا كل مكاسبها أراضي تُستعاد فثمة حروب تكشف من الحقائق ما عجزت عن كشفه سنوات السلام، وتُظهر ما كان مستترًا في موازين القوة، وتضع الشعوب أمام حقيقة انتمائها، وتنزع عن بعض المواقف ما تجمّل به أصحابها طويلًا.
وما تشهده المملكة اليوم من مواجهة مع تهديد ميليشيا الحوثي ليس بعيدًا عن هذه المعاني، ففي الميدان تتأكد حقيقة استراتيجية طالما أثبتتها الأحداث أن الخطر الذي يُترك على حدود الأوطان لا يبقى عند حدودها.
لقد تجاوز التهديد الحوثي منذ زمن حدود الصراع اليمني، حين امتدت الصواريخ والمسيّرات إلى المدن والمنشآت المدنية، وأصبحت الملاحة في البحر الأحمر عرضة للتهديد، وتحولت الجغرافيا اليمنية في مناطق سيطرة الميليشيا إلى مصدر قلق يتجاوز اليمن إلى المنطقة والعالم.
ولهذا فإن مواجهة هذا التهديد ليست شأنًا عسكريًا عابرًا، ولا مجرد ردٍّ على اعتداء، بل ضرورة لحماية أمن المملكة والمنطقة، وتهيئة مستقبل يستطيع فيه اليمن أن يستعيد دولته واستقراره.
فالأمن الذي يُبنى على مهادنة الخطر دون معالجة أسبابه، يظل أمنًا مؤجلًا إلى الاعتداء التالي.
وليس المقصود باجتثاث التهديد اجتثاث بشر أو إقصاء مجتمع، وإنما إنهاء قدرة السلاح الخارج عن سلطة الدولة على ابتزاز الشعوب وتهديد الجيران، حتى لا يبقى مستقبل اليمن والمنطقة مرتهنًا لقرار ميليشيا إرهابية مسلحة.
لكن الحرب كشفت خارج الميدان ما يستحق التأمل بقدر ما يستحقه الميدان نفسه، لقد أعادت الاعتداءات إبراز معنى الانتماء السعودي في صورته الأصدق؛ ذلك الانتماء الذي لا يحتاج إلى مناسبة احتفالية حتى يظهر، ولا إلى اختلافٍ مع الآخرين حتى يتأكد، فالسعودية ليست وطنًا نحتمي به حين نخاف فحسب، بل وطنٌ نحميه لأن فيه كل ما نحب.
وهذه اللحمة ليست وليدة الخطر، وإنما يكشفها الخطر، فالشدة لا تصنع بالضرورة معدن الإنسان، لكنها تُظهره، وكذلك الأوطان.
وعلى الضفة الأخرى من المشهد، لم تكن أعمال الحوثي الإرهابية وحدها ما كشفته الحرب؛ فقد كشفت معها مواقف وأصواتًا خلعت عنها الأزمات ما كانت تستره المجاملات.
ثمة من رأى في الاعتداء على المملكة فرصةً للشماتة، وفي تهديد أمنها مناسبةً لإظهار خصومة لم تعد تتسع لها عبارات الدبلوماسية.
وهنا يتجاوز الأمر اختلاف المصالح والسياسات إلى سقوطٍ في ميزان المروءة، فاختلاف الدول مفهوم، وتباين المواقف مألوف، أما أن يُستقبل الخطر المحدق بالمدنيين بالفرح، فذلك ما لا تمنحه السياسة عذرًا، ولا تمنحه الخصومة شرفًا، فبعض الأقنعة لا تسقطها المواجهة، بل تسقطها الدناءة.
غير أن الإنصاف السعودي حاضرًا حتى في لحظات الغضب؛ فلا تُحمّل الشعوب أوزار أصواتٍ تتحدث باسمها دون تفويض، ولا تُنسب إلى الدول مواقف لم تصدر عن مؤسساتها، فالأزمات تكشف الصديق والخصم لكنها تكشف أيضًا قدرتنا على التمييز بينهما.
ولعل الدرس الأعمق في كل ذلك أن المملكة وهي تواجه تهديدًا يمس أمنها، لا تدافع عن حدودها وحدها؛ بل عن حقها في الاستقرار، وعن مستقبلٍ لا تكون فيه التنمية رهينة صاروخ، ولا حياة المدنيين معلقة بقرار ميليشيا إرهابية مسلحة.
فالدولة التي تبني للمستقبل تحتاج أن تصون حاضرها، والسلام الذي يستحق أن يُطلب هو الذي يحفظ للناس أمنهم وكرامتهم، لا الذي يمنح التهديد فرصة أخرى للعودة.
وإذا كانت للمواجهة نتائج عسكرية، فإن بعض حقائقها ظهرت بالفعل: خطورة ترك التهديد المسلح، وقيمة التماسك الوطني في أوقات الشدة، والفارق الأخلاقي الكبير بين من يختلف معك ومن يفرح بأذاك.
لَرُبَّما…
للحروب نتائج تكتبها الميادين، وأخرى تحفظها ذاكرة الشعوب، ففي الميدان تُكشف مصادر الخطر، وفي الداخل تظهر روح الوطن، وخارج الحدود تسقط بعض الأقنعة.