بقلم- ثامر الشهراني
ليست القضية في أن إيران تريد صواريخ أسرع من الصوت؛ فهذا الطموح معروف منذ سنوات، وإنما في أن روسيا قد تساعدها على امتلاك المعرفة التي تمكنها من تطوير هذه الصواريخ بنفسها.
الوثائق المتداولة حول برنامج روسي-إيراني سري يحمل اسم "C430L"، بدأ عام 2023، تكشف ــ إذا صحت ــ عن تعاون يتجاوز بيع السلاح إلى نقل الخبرة. فقد ركز المشروع على تقنية «رام جيت»، مع مشاركة خبراء روس، وتبادل بيانات اختبارات إيرانية لمحرك الدفع، واستمرار الاتصالات الفنية بين الطرفين حتى يونيو 2026.
هذه النقطة هي الأهم.
إيران تمتلك خبرة واسعة في تطوير الصواريخ والطائرات المسيّرة، واستطاعت بناء قدرات عسكرية متقدمة رغم العقوبات. لكنها تسعى منذ سنوات إلى سد فجوات تقنية محددة، خصوصًا في مجالات الدفع والسرعة والمناورة. والحصول على خبرة روسية في هذه المجالات قد يختصر سنوات من التجربة والخطأ.
فالفرق كبير بين أن تشتري دولة صاروخًا جاهزًا، وأن تتعلم كيف تصنعه وتطوره.
السلاح ينتهي، أما المعرفة فتبقى، ويمكن أن تتحول إلى أساس لجيل جديد من الصواريخ، سواء ضد السفن أو الأهداف البرية. ومن هنا تأتي حساسية هذا التعاون بالنسبة إلى أمن الخليج، حيث توجد الممرات البحرية ومنشآت الطاقة والقواعد العسكرية.
لكن من المهم ألا نبالغ في قراءة التطور. فالمعلومات المتاحة تتحدث عن تطوير واختبار نظام دفع، ولا تثبت دخول صاروخ كروز أسرع من الصوت بمساعدة روسية إلى الخدمة الإيرانية. والفارق بين اختبار نموذج هندسي وبين إنتاج سلاح عملياتي بكميات كبيرة ما زال كبيرًا.
مع ذلك، فإن الخطر لا يبدأ لحظة دخول الصاروخ الخدمة؛ بل يبدأ عندما تنتقل التقنية إلى الداخل وتصبح جزءًا من المعرفة العسكرية والصناعية للدولة.
أما موسكو، فمن الصعب فصل هذا التعاون عن صراعها الأوسع مع الغرب. روسيا تمتلك خبرات تحتاج إليها إيران، وطهران تملك موقعًا وقدرات يمكن أن تزيد الضغط على المصالح الأميركية في الشرق الأوسط. ولذلك فإن التعاون بينهما يحمل بعدًا سياسيًا يتجاوز المشروع نفسه.
وبالنسبة إلى الخليج، فإن الرسالة واضحة: تطور الصواريخ الإيرانية يعني ضرورة تطوير الدفاعات والإنذار المبكر والاستطلاع بالسرعة نفسها، لأن الحرب الحديثة لا يحسمها السلاح وحده، بل القدرة على اكتشافه والتعامل معه قبل وصوله إلى هدفه.
وعليه، فإن أهمية "C430L" لا تكمن في صاروخ لم يدخل الخدمة بعد، وإنما في احتمال انتقال إيران خطوة جديدة من امتلاك السلاح إلى امتلاك التقنية التي تصنع السلاح.
فإذا نجحت طهران في تحويل الخبرة الروسية إلى قدرة محلية، فلن تكون أمام مشروع صاروخ واحد، بل أمام قاعدة تقنية يمكن أن تنتج أجيالًا جديدة من الأسلحة.
وهذا هو السؤال الحقيقي الذي يستحق طرحه في الوقت الحاضر: ليس ماذا تستطيع إيران أن تطلق اليوم، وإنما ماذا أصبحت قادرة على تطويره غدًا ؟