بقلم:عبدالمحسن محمد الحارثي
ليست الصواريخ وحدها هي التي تكشف مواقع الخصوم؛ أحيانًا تكشفها الشماتة. وحين تتعرض المملكة العربية السعودية لتهديد أو اعتداء، ثم ترتفع من بعض الحسابات العربية أصواتٌ فرِحة، متشفّية، مستبشرة بما أصاب الرياض أو أبها؛ فإن المسألة لم تعد اختلافًا سياسيًا، بل انكشافًا أخلاقيًا ونفسيًا وسياسيًا يستحق أن يُقرأ بعمق. فما بالكم يا إخوة يوسف؟ كم مرة أُلقي بنا في جُبّ الخصومة، فخرجنا ولم نحمل ثأرًا؟ وكم مرة قيل في السعودية ما ليس فيها، فآثرنا أن تبقى الأخوّة أكبر من الإساءة؟ وكم مرة ضاقت بأشقاء السبل، فاتسعت لهم أبواب المملكة؛ إغاثةً، وعلاجًا، وتعليمًا، واستثمارًا، ومواقف لا تُشترى بالأثمان؟ السعودية لم تجعل معروفها فاتورةً مؤجلة، ولم تطلب من أحد شهادة وفاء؛ لأن الكبير يعطي لأنه كبير. لكن الشماتة لحظة صدق. في لحظة الخطر تسقط الأقنعة، وتظهر حقيقة المواقف. والمؤلم أن بعض من يملأون المنابر حديثًا عن العروبة والإسلام، قد يبدو فرحهم بصاروخٍ يتجه إلى أرض المملكة أكبر من غضبهم على من يتربص بالأمة كلها. فأي أخوّةٍ تفرح بخوف طفلٍ عربي؟ وأي عروبةٍ تستبشر بتهديد أرضٍ تضم الحرمين الشريفين؟ وأي خطابٍ قومي أو ديني هذا الذي ينتهي عند أول اختبار؟ الحقيقة التي يجب أن تُقال بلا مواربة هي أن السعودية لا تُستهدف أحيانًا بسبب ضعفها، بل بسبب قوتها؛ ولا بسبب تعثرها، بل بسبب نجاحها. هناك من يحتمل السعودية ما دامت مثل غيرها، لكنه يضيق بها حين تتقدم. يقبلها مصدرًا للمال، ولا يريدها مركزًا للقرار. يريدها داعمًا، ولا يريدها منافسًا. يستفيد من خيرها، ثم يستثقل قوتها. وهنا يتحول الحسد من شعورٍ فردي إلى خطاب، ومن خطابٍ إلى حملة، ومن حملةٍ إلى اصطفاف سياسي وإعلامي. وهذه ليست مسألة عاطفية فحسب، بل معلومة استراتيجية. فالأزمات لا تكشف القدرات العسكرية فقط؛ تكشف النيات أيضًا. ومن يصفق لأذيتك اليوم، لا ينبغي أن يُقرأ غدًا بوصفه محايدًا. الدول الذكية لا تبني ذاكرتها على المجاملات، بل على المواقف عند الشدائد. ومع ذلك، فإن الرد السعودي لا ينبغي أن يكون بالانفعال أو الشتيمة. الدول الكبرى لا تتوقف عند كل صوت، ولا تنحدر إلى كل خصومة. رد السعودية الحقيقي أن تفشل الصواريخ في تعطيل الحياة، وأن تفشل الشماتة في كسر الروح، وأن يتحول كل تهديد إلى سببٍ إضافي لبناء القوة. نرد بجيشٍ قادر. وبأمنٍ متماسك. وبدبلوماسية تعرف متى تصبر ومتى تتحرك. وباقتصاد يتسع. وبصناعة تتقدم. وبمجتمع إذا اشتدت المحن ازداد التفافًا حول وطنه وقيادته. فالأوطان العظيمة لا تنتقم من الشامتين بالكلام؛ ترد عليهم بالنجاح. ولا شيء أشد على الحاقد من أن يراك واقفًا بعد أن انتظر سقوطك، ومتقدمًا بعد أن راهن على تعطلك. ولهؤلاء نقول: قولوا ما شئتم. واصرخوا ما شئتم. لن تتوقف السعودية لتشرح لكم لماذا نجحت. ولن تهبط من قممها لتجادل كل من ضاق بصعودها. هذه دولةٌ واجهت عبر تاريخها أزماتٍ وحروبًا وإرهابًا ومؤامرات، ثم خرجت من كل امتحان أكثر صلابة. أما نحن، فلا نحمل كراهية أحد، لكننا نتذكر. فالصفح خُلُق، لكن الذاكرة الوطنية ضرورة. ونقول لإخوة يوسف: لقد خرج يوسف من الجب، وخرج من السجن، ثم جاءه من أساؤوا إليه يطلبون العون. وكان جوابه العظيم: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾. لكن العفو لا يعني أن يصبح الجب عادة، ولا أن تتحول الطيبة إلى بابٍ دائم للاستغفال. السعودية لا تبحث عن خصوم، لكنها أيضًا لا تسمح لأحد أن يقرأ صبرها ضعفًا، أو أخوّتها غفلة، أو كرمها احتياجًا. ومن أرادها شقيقةً وجد منها ما يعرفه التاريخ. ومن اختار خصومتها، فليعلم أنه اختار خصومة دولةٍ تعرف وزنها، وتحمي أرضها، وتصون مصالحها، وتمضي إلى مستقبلها بثبات. أما الشامتون، فليس لهم إلا هذه الحقيقة: ستمضي السعودية سواء رضيتم أم غضبتم. تبني حين يتمنون تعثرها. وترتفع حين ينتظرون سقوطها. وتتلاحم حين يراهنون على فرقتها. حتى يكون ازدهارها هو الرد، وقوتها هي الرسالة، ومستقبلها هو الكلمة الأخيرة. ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.