الكاتب : النهار
التاريخ: ١٠ اكتوبر-٢٠٢٦       15950

بقلم ـ عبدالله أحمد غريب

نعيش في هذه الحياة ولا نعلم ماذا يخبئ لنا القدر وماذا وكيف سيكون المستقبل ونحاول أن نعيش الماضي والحاضر وحتى المستقبل بروح التفاؤل وكأننا لن نغادر هذه الدنيا بل وكأننا لن نمر بما قد يعكر مزاجانا ويربك حياتنا بما يستجد ولم نحسب له أي حساب ثم يأتي العسر واليس والخوف والرجاء وتأتي الأفراح والأتراح وكثير من المتناقضات التي يعتبرها الكثير ملح الحياة كما يقولون بأنها لم ولن تصفو لأحد وأنها مزيج من الاختبارات التي تجعلنا بين الضجر والصبر والاحتساب وبين التكيف مع جميع ما تتحفنا فيه أو تتعبنا به وهذاما يجعلنا نؤمن بأن الإنسان خلق في كبد مصداقا لقول الحق تبارك وتعالى : " لقد خلقنا الإنسان في كبد " بمعنى المكابدة وقت شدائد الحياة ومتاعبها وعناءها ثم يأتي الموت الذي لا مفر منه وباعتباره أكبر مصيبة تصيبنا في الحياة الدنيا إما بفقد الأحبة أو بفقدهم لنا فتطوى صفحات من حياتنا بالخروج من أبوابها الكثيرة إلى الباب الوحيد الذي لا رجعة منه إن باب الموت الذي لابد من الدخول منه إلى الآخرة التي ندعو الله لنا ولوالدينا وأقاربنا وأحبابنا ولكل مسلم مؤمن بأن نكون فيها من المقبولين ومن عتقائه من النار بحسن ظننا بربنا جلّ في علاه .
ما دعاني لكتابة هذه المقدمة كان بسبب فقد علم من أعلام منطقة الباحة " غامد وزهران " بل والمنطقة الغربية ولا أبالغ إن قلت الوطن باعتباره من رواد التعليم قبل ما يربو عن سبعة عقود إنه إبن قرية الريحان ببني ظبيان الفقيد " أحمد المليص " الذي وافاه الأجل قبل أسبوع في مدينة جدة والفقيد ينتمي لأسرة المليص العريقة التي من بين ظهرانيها خرج للمجتمع الباحاوي رجال نعدهم من الأخيار الأموات منهم والأحياء ولقد حاولت مرارا في مدة مرضه - التي طالت وكان حبيس بيته في مدينة جدة - لأزوره ولكن قدّر الله وما شاء فعل إذ لم أتمكن بسبب ظروفه الصحية التي حالت بينه وبين محبيه وهم كثر من غامد وزهران ومن غيرهم ممن عرفه بكرمه ولطفه وحسن تعامله مع من حوله من الأقارب والأصدقاء والجيران والمعارف وما كان يحمله من سمت وأناقة ونقاء في المظهر والمخبر دون تصنّع منه ولكنها كانت سجيّة تربى عليها في نشأته وفي تعليمه وعلاقاته الاجتماعية وفي عمله في مجال التربية والتعليم لعشرات السنين منذ تخرج من المرحلة الابتدائية عام 1373هـ زمن كان التعليم النظامي في بداياته حيث عاش مع أخيه الشيخ سعد الميص – يرحمهما الله – الذي كان له بصمة في مجال التعليم انطلاقاً من مدارس الريحانية المشهورة في زمن كان التعليم محصوراً على الكتاتيب فكانت الريحان على اسمها وهي تنشر شذاها تعليما وصل خراجه كثيراً من القرى في المنطقة وكان سعد المليص وأحمد المليص قطبان وقبطان سفينته في أنحاء غامد وزهران .
أحمد المليص - يرحمه الله - عرفته قبل أن أعرف الشيخ سعد المليص بقرابة خمس سنوات وبالتحديد عام 1392هـ عندما كنا في معهد إعداد المعلمين الثانوي إذ كان يعمل حينها مفتشاً إدارياً وكان يأتينا إلى المعهد برفقته ملازم وهما يحققان مع الطلاب الذين خرجوا من ثانوية الظفير ليلتحقوا بالمعهد لمعرفة سبب ترك الثانوية بعد أن سجلوا وانتظموا فيها حيث دارت بعض الشكوك حول الأمر بين بعض الأهالي ومدير المعهد ذلك الوقت وكأنهم اعتبروا خروجهم كان بسبب دعوته لهم للالتحاق بالمعهد وخاصةً الطلاب البعيدين والمغتربين من أنحاء المنطقة مع أن السبب الحقيقي كان باختصار مشوار الدراسة وسرعة التخرج كمعلمين لسد حاجة المدارس في جميع المناطق حينهاأطلقوا على المعهد " معهد رضاء الوالدين " وما أجملها من تسمية إذ كان للشيخ محمد عبد الله غنّام الغامدي قصب السبق في تخريج مئات المعلمين من أبناء المنطقة وبعض أبناء المنطقة الجنوبية الذين انتشروا في مدارس الجنوب بالذات وكانوا سبباً في تغطية المدارس التي كان معظم المعلمين وحتى الإداريين فيها من المتعاقدين من الدول العربية الشقيقة فحل خريجو المعهد مكانهم فكان أحمد المليص معينا لمن قابلهم من الطلاب وأنا أحدهم ولم يكن سوى باحثا عن الحقيقة التي برأنا فيها مدير المعهد وواصلنا الحياة وبعد تخرجنا عام 1394-1395هـ أصبحنا بالنسبة له زملاء وكان نعم الرجل المسؤول المثقف نشهد له بهذا .
أحمد المليص - يرحمه الله - وبحسب سيرته الذاتية التي استعنت بمعرفتها أكثر بالأخ صالح شبرق الإعلامي والتربوي المعروف وهو وشقيقه عبد الله من أقارب أسرة المليص فقد ولد أحمد عام 1353هـ بقرية الريحان بقبيلة بني ظبيان وهو الأخ الأصغر للشيخ سعد المليص الذي كان عونا له ولعدد من رموز هذه الأسرة العريقة وعلى رأسهم حالياً معالي الدكتور سعيد المليص عضو مجلس الشورى الأسبق الذي ندعو له بالعمر الطويل وقد أكمل الفقيد احمد تعليمه في المرحلتين المتوسطة والثانوية بنظام الثلاث سنوات وعمل معلما في بعض مدارس المنطقة بدءا من مسقط رأسه بني ظبيان كما عمل مديرا في مدرستي بطحان والحبشي قبل أن يُعيَّن سكرتيرا لمدير التعليم في بالجرشي عبد المحسن آل الشيخ يرحمه الله ثم مشرفا إداريا بتعليم الباحة بعدها انتقل للعمل في إدارات تعليم بالطائف ثم جُدّة بعد أن التحق بجامعة المؤس حيث سبق وأن حصل على البكالوريوس في الإدارة والتي مكنته من العمل الإداري القيادي حتى أحيل للتقاعد النظامي بعد تجربة كانت نبراسا لمن عملوا معه ومن عرف سيرته ومسيرته في العمل التربوي والإداري التعليمي .
رحل أحمد المليص بعد رحيل أخيه سعد عام 2019م رحمهما الله وعند وفاتهما ظهر معدنهما الأصيل بكثرة المصلين والمشيعين والمعزين الذين توافدوا من المدن والقرى ليواسوا أقاربهم وأصهارهم وأقاربهم ومحبيهم سواء في الباحة أو مكة وجدة أو الرياض ومن يُذكر بالخير حيّا فبالتأكيد سيكون ذكره بالخير بعد الموت أكثر جزاء من ربك عطاء حسابا في الدنيا ونرجوه لهم ولمن فقدناهم في الآخرة لنرجو الله يجزيهم خير الجزاء لما قدموا من أعمال جعلتنا نذكرهم بها فنحن شهود مؤتمنون على ما نقول والله على ما نقول شهيد.
تلويحة وداع :
ولقد فقدنا أحمداً بفراقه      
من حزننا وقلوبنا تتفطّرُ
رحم الله الشيخ سعد ورحم أحمد ورزق من بعدهما برهما وصلة ودهما ففي ذلك البر بهما بعد موتهما وأعاننا على ما أعانهما عليه في الوقت الذي نعزي الجميع بفقدهما وندعو لهما بالرحمة والمغفرة وأن يجمعنا بهما وبوالدينا ومن فقدناهم في مستقر رحمته .