نجران - حسين القفيلي-النهار
سقوط العقدين من السنين لم يكن مجرد رقم في سجلات الغياب، بل كان مخاضاً طويلاً لقصة كبرياء رياضية أبت إلا أن تنتهي بصرخة مدوية على منصات التتويج. فعلى مدار نحو اثنين وعشرين عاماً—تحديداً منذ آخر كأس رفعت في مطلع عام 2004—عاشت الجماهير السعودية والعين ترنو بشوق ولهفة إلى لحظة العودة الحقيقية. ربع قرن تقريباً من الانتظار تحت تساؤلات عريضة ومطالبات ملحة بالتغيير، شملت كل مفاصل المنظومة من رأس الهرم الإداري والاتحادات المتعاقبة، وصولاً إلى الأجهزة الفنية وتوليفة اللاعبين.
هذا الغياب المؤقت في بطولات الكؤوس لم يكن يوماً دليلاً على تراجع الهيبة؛ فتاريخ "الأخضر" مرصع بالذهب؛ فهو بطل آسيا ثلاث مرات، وصاحب البصمة التاريخية الكبرى بالوصول إلى أولمبياد لوس أنجلوس، والحضور الدائم في المحافل العالمية من خلال المشاركة في كأس العالم 7 مرات. ورغم هذا الإرث العظيم، فإن حقبة السنوات الأخيرة شهدت مفارقة مذهلة وسط اهتمام ورعاية استثنائية وفرتها حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ومتابعة دقيقة وحثيثة من وزارة الرياضة، ودوري محلي يُعد الأغلى والأقوى سوقياً وفنياً في القارة، يضم بين صفوفه نجوماً عالميين ومحليين بصنعة مهارية فائقة. ومع بلوغ المنتخب مراراً لمحطات المونديال ونهائيات آسيا، إلا أن "عقدة الكأس" ظلت تعانده وتأبى الاستقرار في خزائنه، إلى أن حانت اللحظة الحاسمة.
جاءت كأس الخليج (خليجي 27) لتكون هي الإكسير الذي أروى عطش المدرج السعودي. ولم تأتِ هذه العودة صدفة، بل جاءت ثمرة مخاض عسير وتغييرات جذرية شجاعة طالت الأجهزة الفنية بقيادة اليوناني جورجيوس دونيس، وإعادة ترتيب الأوراق من اتحاد الكرة، وانضباط حديدي من جيل شاب يافع أثبت أن روح الصقور لا تموت. لقد تجلى هذا التفوق صريحاً على أرض الميدان؛ فعلى وقع السيطرة والاستحقاق، توج همام الهمامي بجائزة أفضل لاعب في البطولة بعد أن افتتح مهرجان أهداف النهائي، وأحكم محمد العويس إغلاق عرينه لينال قفاز الأفضلية، فيما انتزع فراس البريكان صدارة الهدافين باقتدار.
إن التتويج بلقب الخليج لم يكن مجرد بطولة إقليمية تُضاف إلى السجل الذهبي، بل جاء في توقيت استراتيجي بالغ الأهمية؛ حيث تستعد المملكة لاستضافة العرس القاري كأس آسيا، ومن ثم الموعد التاريخي الأكبر كأس العالم 2034. هذا الإنجاز يعيد الاعتبار لتصنيف الفيفا، ويكسر طوق العقبة النفسية، ويغرس جرعات مضاعفة من الثقة في نفوس اللاعبين الشباب والجماهير العريضة على حد سواء، ليثبت مجدداً علو كعب الكرة السعودية وأنها الأيقونة الأبرز عربياً وقارياً.
من القلب، تُرفع أسمى آيات التهاني والتبريكات إلى مقام مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وإلى ولي العهد الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، وإلى وزير الرياضة صاحب السمو الأمير عبدالعزيز بن تركي بن فيصل، ورئيس مجلس إدارة الاتحاد السعودي لكرة القدم بدر بن سليمان الرزيزاء، ومدرب المنتخب واللاعبين الأبطال الذين سطروا ملحمة جديدة.
حفظ الله هذه البلاد وقيادتها الرشيدة، وأدام على وطننا الغالي أفراح الانتصارات والمجد المستدام