بقلم - إلهام المحمدي
في اليوم العالمي للمعلم، تتجه كلمات الشكر عادةً إلى أولئك الذين وقفوا أمام السبورة، وفتحوا لنا أبواب المعرفة، وصنعوا في ذاكرتنا أثرًا لا يُنسى. لكن ماذا عن ذلك المعلّم الذي لم ننتبه إليه طويلًا؟ المعلّم الذي رافقنا في كل سقوط ونهوض، وفي كل اختيار وخسارة وبداية جديدة؟ ماذا لو كان في داخل كل واحدٍ منا معلّمٌ يتكوّن بصمت، حتى يأتي يوم ندرك فيه أننا لم نكن تلاميذ الحياة فقط، بل كنا ـ من حيث لا ندري ـ نعلّم أنفسنا كيف نعيش؟
في حياة كل إنسان معلمون يستحقون الامتنان؛ منهم من علّمنا حرفًا، ومنهم من منحنا فكرة غيّرت مسارنا، ومنهم من آمن بقدراتنا في لحظة ربما لم نكن نحن أنفسنا نؤمن بها. لكن الحياة، بعد سنوات من التجربة، تكشف لنا حقيقة أخرى: أن أعظم معلّم قد نلتقي به لا يقف دائمًا أمامنا، بل قد يسكن في داخلنا.
نقضي سنوات طويلة من أعمارنا ونحن نبحث عن المعلّم؛ شخص يدلّنا على الطريق، يختصر لنا المسافة، يصحح أخطاءنا، ويخبرنا متى نتقدم ومتى نتوقف. لكننا مع مرور السنوات نكتشف أن التعليم لا يأتي دائمًا من كتاب أو فصل دراسي.
أحيانًا يكون المعلّم تجربةً قاسية، أو موقفًا هزّنا من الداخل، أو خسارة غيّرت نظرتنا للحياة، أو قرارًا أخطأنا فيه ثم تعلمنا منه ما لم تكن تستطيع مئات النصائح أن تعلمنا إياه.
ومع النضج، نبدأ في الانتقال من مرحلة انتظار من يعلّمنا إلى مرحلة أكثر وعيًا: أن نصبح معلّمين لأنفسنا.
أن تكون معلّمًا لنفسك يعني أن تعرف كيف تجلس معها عندما تضيع، بدل أن تهرب منها. أن تسألها: ماذا تعلمتِ؟ ماذا تريدين؟ وما الذي لم يعد يشبهكِ؟
أن تكون معلّمًا لنفسك يعني ألا تعاقب ذاتك على أخطائها، بل تفهمها. فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى صوت يوبخه، بقدر حاجته إلى وعي يقول له: أخطأت، نعم، لكن ماذا سأتعلم من هذا الخطأ؟
وهنا يكمن الفرق بين من يعيش التجربة، ومن يتعلّم منها.
لقد علمتني الحياة أن بعض الدروس لا نفهمها من المرة الأولى، وأن بعض الأبواب نطرقها أكثر من مرة حتى ندرك أنها لم تكن لنا، وأن بعض الأشخاص يدخلون حياتنا لا ليبقوا، بل ليتركوا درسًا ثم يمضوا.
وعندما نصل إلى هذا الوعي، نتوقف عن سؤال الحياة: لماذا حدث لي هذا؟
ونبدأ بسؤال أكثر عمقًا:
ماذا جاء هذا الموقف ليعلّمني؟
قد يأتي الجواب بعد أيام، وقد يتأخر سنوات، لكننا في النهاية نكتشف أن كثيرًا مما مررنا به كان يصنع في داخلنا إنسانًا أكثر وعيًا، وأكثر فهمًا لنفسه.
كنتُ في مراحل كثيرة من حياتي تلميذةً للحياة، لكنني كنت أيضًا معلّمةً لنفسي.
علّمت نفسي أن أقف بعدما تعبت، وأن أبدأ بعدما ظننت أن بعض النهايات أغلقت الطريق. علّمت نفسي أن أراجع اختياراتي، وأن أعترف بما لا يناسبني، وأن أغيّر رأيي عندما أكتشف أن الطريق الذي اخترته لم يعد يشبهني.
علّمت نفسي أن القوة ليست أن أبقى دائمًا صلبة، بل أن أعرف متى أسمح لنفسي أن أتعب، ومتى أحتويها، ومتى أقول لها: يكفي ما حملتِ، الآن حان وقت الراحة.
وعلّمت نفسي أن المحبة ليست فقط ما أقدمه للآخرين؛ المحبة الحقيقية تبدأ من الطريقة التي أتحدث بها مع نفسي، ومن قدرتي على مسامحتها، واحترام حدودها، والوقوف معها عندما لا يقف معها أحد.
لهذا أقول اليوم بكل امتنان:
شكرًا لنفسي المعلّمة.
شكرًا لكِ لأنكِ لم تتخلي عني في الأيام التي لم أفهم فيها نفسي.
شكرًا لأنكِ تعلمتِ من أخطائكِ بدل أن تجعليها سجنًا لكِ.
شكرًا لأنكِ حولتِ الألم إلى فهم، والتجربة إلى وعي، والخوف إلى سؤال، والسقوط إلى درس جديد في الوقوف.
وشكرًا لكل مرة اكتشفتِ فيها أنكِ تستحقين فرصة جديدة، حتى وإن لم يمنحكِ إياها أحد.
وأقول أيضًا: شكرًا لكل معلّم مرّ في حياتي.
شكرًا لمن علّمني حرفًا، ولمن علّمني فكرة، ولمن فتح أمامي بابًا لم أكن أراه.
شكرًا لمن شجّعني، ولمن آمن بي في وقتٍ كنت أبحث فيه عن الإيمان بنفسي، ولمن منحني من علمه ووقته وخبرته دون أن يدرك ربما حجم الأثر الذي تركه داخلي.
وشكرًا حتى لمن كانت دروسه مؤلمة؛ لأن الحياة لا ترسل لنا معلمين بالطريقة التي نتوقعها دائمًا. بعضهم يعلّمنا بالمحبة، وبعضهم بالفقد، وبعضهم بالمواقف، وبعضهم يعلّمنا كيف نضع حدودنا ونحفظ كرامتنا ونختار أنفسنا.
ومع كل ذلك، يبقى هناك معلّم رافقني منذ البداية وسيبقى معي حتى النهاية: أنا.
شكرًا لنفسي المعلّمة؛ لأنها تعلّمت ثم علّمتني، أخطأت ثم صححت طريقها، سقطت ثم عرفت كيف تنهض من جديد.
شكرًا لنفسي لأنها لم تكن تعرف الإجابات دائمًا، لكنها لم تتوقف يومًا عن السؤال والتعلّم والبحث.
واليوم أقول لها بكل حب:
شكرًا لكِ يا نفسي، لأنكِ كنتِ تلميذتي ومعلّمتي في آنٍ واحد.
وشكرًا لكل درس صنع مني المرأة التي أنا عليها اليوم.
وما زلت أتعلم… وما زلت أعلّم نفسي… وما أجمل أن يبقى الإنسان طالبًا في مدرسة الحياة حتى آخر العمر.