الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٦ اكتوبر-٢٠٢٦       2365

بقلم : د. احمد المنصوري

تمتلك كثير من المؤسسات طموحًا كبيرًا، وتعلن عن أهداف استراتيجية تسعى إلى تحقيقها، إلا أن القليل منها ينجح في تحويل ذلك الطموح إلى مسار واضح يقود إلى نتائج مستدامة، فالرغبة في النجاح لا تكفي وحدها، كما أن امتلاك الموارد لا يضمن الوصول إلى الغاية، وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف تحافظ المؤسسة على اتجاهها الاستراتيجي؟

يقول ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت "كل شركة هي شركة برمجيات، وعليك أن تبدأ بالتفكير والتصرف بهذه الطريقة" ولم تكن هذه العبارة مجرد توصيف لتحول تقني بل إعلانًا عن رؤية أعادت صياغة مستقبل الشركة، وتقدم مايكروسوفت مثالًا واضحًا على ذلك؛ فمع تولي ساتيا ناديلا قيادتها، أعاد تعريف رؤية الشركة لتصبح أكثر انفتاحًا على التعلم والتكيف مع التحولات المتسارعة في السوق، وانعكس ذلك على ثقافة المؤسسة، ونموذج أعمالها واستثماراتها في الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، حتى استعادت مكانتها بين أكثر الشركات قيمة وتأثيرًا في العالم، وهنا يتضح أن الرؤية لم تكن مجرد تصور للمستقبل بل الإطار الذي وجّه القرارات، وأعاد ترتيب الأولويات ومكّن المؤسسة من التكيف مع المتغيرات دون أن تفقد اتجاهها الاستراتيجي، لتقود مسارها نحو مستقبل أكثر قدرة على النمو.

وهذا ما يفسر أن قيمة الرؤية لا تكمن في صياغتها، بل في قدرتها على توحيد القرار المؤسسي، فعندما تصبح مرجعًا للإدارة، تتجه الأولويات والموارد والمبادرات نحو هدف واحد، بما يضمن اتساق الأداء واستمرار المؤسسة في مسارها الاستراتيجي رغم تغير الظروف.

أما من منظور تسويقي، فالتسويق هو الذي يختبر صحة الرؤية باستمرار من خلال السوق والعملاء، ويمنعها من أن تتحول إلى رؤية داخلية منفصلة عن الواقع، كما ان الرؤية لا تقتصر على تحديد ما تريد المؤسسة أن تكون عليه بل تساعدها على استشراف تحولات السوق، وفهم التغير في احتياجات العملاء، وإعادة توجيه قراراتها بما يحافظ على القيمة ويعزز قدرتها على المنافسة، ومن هنا تتجلى أهمية الرشاقة التسويقية  (Marketing Agility)، فهي لا تعني سرعة الاستجابة للتغيير فحسب، بل القدرة على تعديل الوسائل والقرارات مع المحافظة على وضوح الاتجاه الاستراتيجي.

فالرؤية لا تتنبأ بالمستقبل، لكنها تجعل المؤسسة أكثر استعدادًا لصناعته، وإذا كانت الرؤية تحدد الاتجاه الذي ينبغي أن تسلكه المؤسسة، فإن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا الاتجاه إلى خطوات عملية وقرارات متسقة ونتائج قابلة للتنفيذ، وهو ما سنتناوله في المقال القادم عند الحديث عن المنهجية بوصفها الإطار الذي يحول الرؤية إلى واقع.