الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٥ اكتوبر-٢٠٢٦       4400

بقلم- مصطفى عبدالله تميرك
ُعد ترشيد استهلاك المياه أحد أهم ركائز الأمن المائي والاستدامة، ولا يقتصر مفهومه على تقليل الاستخدام فحسب، بل يمتد إلى الاستخدام الأمثل للمياه والحد من الهدر ورفع كفاءة الاستهلاك في المنازل والمنشآت والقطاعات الإنتاجية. ومع إعلان عام 2027 «عام الماء»، تتجدد أهمية تعزيز الوعي المجتمعي وترسيخ ثقافة المحافظة على هذا المورد الحيوي، باعتبار أن كل قطرة يتم توفيرها اليوم تسهم في حماية مواردنا المائية وتعزيز قدرتنا على مواجهة تحديات المستقبل.
ومن هذا المنطلق .. وافق مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة بجدة، مؤخراً ، على تسمية عام 2027 بـ«عام الماء» ليس القرار مجرد إضافة إلى تقويم المبادرات السنوية بل هو إعلان صريح بأن المياه انتقلت من ملف خدمي تقليدي إلى ركيزة أمن وطني عليا في وطن شحيح المطر يعتمد على كفاءة التحلية والخزن الاستراتيجية والإدارة الصارمة للطلب.
تتزامن هذه التسمية مع استضافة الرياض لأعمال «المنتدى العالمي الحادي عشر للمياه» في مارس 2027 تحت شعار «العمل لغد أفضل» ومع اتخاذ «المنظمة العالمية للمياه» من العاصمة السعودية مقرًا دائمًا لها لا تستضيف المملكة حدثا دولياً فحسب بل تقدم نموذجاً تنموياً رسخته الدولة إذ قفزت طاقة التحلية من نحو 9 ملايين متر مكعب يومياً إلى قرابة 16 مليوناً وتراجع استهلاك المياه الجوفية غير المتجددة من نحو 21 مليار متر مكعب إلى قرابة 11 ملياراً بحلول 2025 بالتوازي مع مضاعفة السعة التخزينية الاستراتيجية بنسبة تجاوزت 125% هذه الأرقام كما وثقتها وزارة البيئة والمياه والزراعة تمثل رصيد المبادرة وجاهزيتها قبل أن تبدأ.
ويتجلى مردود هذا القرار عبر أربعة مسارات رئيسية:
أولها: ترسيخ الأمن المائي عام كامل يسرع مستهدفات الرؤية الوطنية في تقليص الفاقد وحوكمة استخدام الآبار والتوسع في معالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها ورفع كفاءة شبكات النقل والتوزيع هذا الوعي المجتمعي وحده لا يسد الفجوة المائية لكنه يمهد الطريق لتبني تقنيات الترشيد والامتثال لأدوات الحوكمة. وبرنامج «قطرة» الذي انطلق من خط أساس استهلاك يبلغ 263 لتراً للفرد يومياً مستهدفاً الوصول إلى 150 لتراً بحلول 2030 يجد في هذا العام فرصة مواتية ليتحول الترشيد من مجرد حملة توعوية إلى سلوك يومي مستدام.
ثانيها: تعظيم الأثر الاقتصادي يمثل الماء محركاً رئيسياً لقطاعات الصناعة والزراعة والسياحة وخدمات الحج والعمرة وكل متر مكعب يحفظ أو يعاد تدويره يخفف مباشرة من استهلاك الطاقة وأعباء الإنفاق المالي. كما يفتح هذا العام آفاقاً رحبة للشراكات الاستثمارية في تقنيات التحلية الصديقة للبيئة والرقمنة وأنظمة الخزن الذكي مما يتيح تصدير الخبرة والمعرفة السعودية إلى أسواق إقليمية ودولية تواجه تحدي الندرة المائية ذاته.
ثالثها: تعزيز الحضور والمكانة الدولية إن استضافة المنتدى العالمي وتأسيس مقر المنظمة في الرياض يضعان المملكة في موقع صياغة السياسات والمعايير الدولية لا على هامشها يترجم هذا الحضور إلى نفوذ نوعي يُبنى عبر قيادة الأبحاث، واستقطاب العقول والتقنيات المتقدمة والصناعات وترسيخ صورة دولة تدير ندرة الموارد الطبيعية بالعلم والابتكار لا بالشعارات.
رابعها: البعد المجتمعي والثقافي لم يكن الماء في الجزيرة العربية يوماً مجرد مورد عابر بل هو جوهر البقاء امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ وتسمية عام كامل باسمه تعيد إحياء هذا الإدراك العميق في المنزل والمسجد والمدرسة والمزرعة والمصنع وو ولتذكير المجتمع بأسره بأن وفرة المورد لا تبرر هدره وأن استدامته فريضة دينية ومسؤولية وطنية تعلو على مجرد بنود في تقارير دورية.
وختاماً يظل الأثر الحقيقي مرهوناً بجودة التنفيذ ليتحقق الهدف المنشود متى ما ترجم العام إلى أجندة عمل واضحة بمؤشرات أداء قابلة للقياس وشراكة مؤسسية حقيقية تتكامل فيها جهود وزارة البيئة والمياه والزراعة والهيئة السعودية للمياه والقطاع الخاص بعيداً عن الروزنامات الدعائية والمؤتمرات الشكلية إن عام 2027 فرصة استراتيجية لإثبات أن ما أنجز في البنية التحتية والتقنية والخزن يكتمل بوعي الاستخدام ليكون عام الماء نقطة تحول تصنع مستقبل القطاع للعقود القادمة.