الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٤ اكتوبر-٢٠٢٦       214720

بقلم -غازي العوني

ليست كل البرامج الرياضية سواء. بعضها ينتهي مع صافرة الحكم، وبعضها يبدأ بعدها. برنامج "المجلس" الذي يقدمه الإعلامي القطري خالد جاسم منذ 2005 على قنوات الكاس، ينتمي للنوع الثاني.

من فكرة بسيطة إلى ظاهرة خليجية

بدأت الفكرة ببساطة: استلهام شكل المجلس الخليجي بديكوره وحواره العفوي. غرفة، دلال، وكراسي يجلس عليها نجوم الكرة الخليجية والعربية لتحليل المباريات.

لكن مع الوقت، اتسعت مقاعده لنخبة من المحللين والنجوم وضيوف عالميين، حتى أصبح من أعرق البرامج الحوارية الكروية في المنطقة ورفيقاً ثابتاً لكل بطولة كبرى، وفي مقدمتها كأس الخليج.

وهذا هو تعريف البرنامج الرسمي نفسه: برنامج رياضي قطري يعرض على قنوات الكاس الرياضية من تقديم خالد جاسم، بث لأول مرة في 2005.

خالد جاسم.. مدير الحوار لا طرفه

قوة خالد جاسم لا تكمن في كثرة الكلام، بل في إدارة الكلام.

البرنامج يضم أسماء ثقيلة ومختلفة المدارس: من حمود سلطان وأحمد الرواس وماجد الخليفي ويونس محمود ونشأت أكرم إلى سعيد العويران وناصر الشمراني وغيرهم، وكل اسم يحمل معه تاريخاً ومزاجاً ورأياً حاداً.

دور المقدم هنا أن يحافظ على الإيقاع، أن يعطي كل ضيف مساحته، وأن يمنع الحوار من الانزلاق إلى الشخصنة.

ولذلك وصفته صحيفة الرياضية مؤخراً بأنه لا يصنع الصخب، بل يصنع التوازن: قيمة الضيف، وقوة المعلومة، وتنوع الرأي، وحسن إدارة الاختلاف.

تجاوز الرياضة إلى الروح الخليجية

ما جعل "المجلس" يتجاوز كونه برنامج تحليل هو ذكاء اختيار المكان والسياق.

في خليجي 27 المقام حالياً في جدة، لم يكتف الفريق بالبث من استوديو مغلق.

وصل مبكراً إلى جدة، عاش المدينة قبل أن يتحدث عنها، وتعرّف على شوارعها وأهلها، وقطع عربات البث الخاصة به الطريق البري من الدوحة إلى جدة لمسافة تتجاوز 1500 كيلومتر لصناعة هذا الحضور.

والأهم، استقر الاستوديو في ميدان الثقافة بجدة التاريخية، حيث البيوت العتيقة بروشاناتها الخشبية والأزقة التي تحكي قصة مدينة كانت ولا تزال بوابة الحرمين.

فصار المشاهد يتابع كرة القدم وهو يتجول، من حيث لا يشعر، في قلب "البلد".

ولم يكتف بتحليل المباريات، بل فتح نافذة على جدة نفسها، رافقت الكاميرا خالد جاسم في جولته بين معالم جدة التاريخية ونقلت أجواءها الثقافية بأسلوب يشبه حديث صديق يعرّفك على مدينته.

حتى في التفاصيل الصغيرة، ظهرت الروح التي تتحدث عنها. في احتفالية اليوم الوطني السعودي، ظهر خالد جاسم مرتدياً الوشاح السعودي ومشاركاً الفرق الفلكلورية الاحتفالات داخل الاستوديو.

وفي المقابل، عندما تطلب الأمر حماية هذه الروح، لم يتردد. في نقاشات سابقة، أوقف الحوار وطلب اعتذاراً علنياً عندما مست كلمة أحد الضيوف أي بلد خليجي، ليؤكد أن هوية البطولة وخصوصيتها خط أحمر، وهو موقف تكرر عندما رفض المجلس بالإجماع مقترح مشاركة منتخبات من خارج الخليج في النسخ القادمة للحفاظ على هوية البطولة.

الخلاصة

خالد جاسم لم يقدم برنامجاً يحلل من سجل الهدف، بل قدم برنامجاً يذكرنا لماذا نحب كرة القدم الخليجية أصلاً. لأنها ليست 90 دقيقة، بل هي مجلس يجمعنا.

في زمن كثرت فيه برامج الصراخ والترند، بقي "المجلس" محافظاً على أصالته: مجلس واحد، قلوب متعددة، وخليج واحد.