بقلم - ياسين سالم
ثمة عقول لا تريد أن تصدق ، وإن رأت الصاروخ في السماء وسمعت التهديد على المنبر ، عقول اعتادت أن تصدق آلة الدعاية الصهيونية والفارسية المضللة ، وما يتماهى معها للأسف من منصات "عربية" تردد الرواية بخبث أو ببغائية: "لا يمكن أن يهاجم الحوثي مقدسات المسلمين".
وهذا هو الجهل المركب بطبيعة المشروع ، فمن يردد هذه المقولة يظن الحوثي جماعة دينية لها ضوابط ، بينما حقيقته أنه مشروع سلطة لا يقدس إلا كرسي الحكم ، جماعة عنصرية قائمة على خرافة الحق الإلهي ، مستعدة لتقديم أي خدمة وتنفيذ أي أجندة ، سواء كانت إيرانية أو صهيونية أو غربية أو لأي منظمة متطرفة تعادي الإسلام ، مقابل وعد واحد: تمكينها من حكم اليمن .
والأخطر أن الأمر لم يعد تحليلاً للنوايا ، بل تهديداً معلناً ، فخطباء الحوثي في مساجد المناطق الخاضعة لسيطرته ، وفي محاضراتهم المتلفزة ومنصاتهم الرسمية ، يرددون جهاراً أن "مكة والمدينة تحت احتلال يجب تحريره"، ويتوعدون باستهدافهما تحت شعار "الجهاد المقدس". هذا خطاب موثق بالصوت والصورة في أرشيفهم، لا يمكن إنكاره .
ثم انتقل القول إلى الفعل ، ففي أكتوبر 2016 ويوليو 2017 ، أطلق الحوثيون صواريخهم الباليستية باتجاه مكة المكرمة ، واعترضتها الدفاعات السعودية ، ووثقها فريق خبراء الأمم المتحدة كسلاح مهرب بتقنية إيرانية ، من هدد على المنبر وأطلق في الميدان ، فقد انتقل من النية إلى التنفيذ .
والغاية ليست عسكرية ، بل سياسية خبيثة ذات مسارين:
أولاً ، محاولة إحراج المملكة أمنياً وزعزعة ثقة المسلمين بقدرتها على حماية الحرمين ، وبفضل الله فشلوا ، وثانياً ، وهو الأخطر ، صناعة ذريعة لمشروع "تدويل الحرمين"، وهو المشروع الإيراني الأقدم منذ عام 1979 والمحاولات المتكررة ضد الحرم المكي ، حيث يُستخدم كل صاروخ يُطلق كمحاولة لتمريره كدليل إعلامي على "عجز المملكة عن الحماية" تمهيداً للمطالبة بوصاية دولية ، وهي الأسطوانة المشروخة القديمة .
وهذا السلوك ليس بدعة حوثية . فالمليشيات والمنظمات التكفيرية والمتطرفة كلها تتشابه في استخدام المقدس أداةً ، رأينا القاعدة وداعش كيف هاجمتا الحرمين نفسهما ، وقتلت جنوداً سعوديين استشهدوا دفاعاً عن مكة والمدينة ، وكلنا نتذكر التفجير الإرهابي الذي استهدف الحرم المدني الشريف قبل سنوات وسُفكت فيه الدماء الطاهرة .
وللتاريخ ، فإن المليشيات الشيعية نفسها لم تتورع عن هدم مساجد ومقامات مقدسة عند الشيعة أنفسهم ، مثل تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء ، لتوثيق رواية تخدم المشروع الإيراني وبتوجيه استخباراتي مباشر ، فاستهداف المقدسات ليس غريباً على هذه الجماعات ، بل هو أداة متكررة لتثبيت سردية سياسية .
وقبل المقدسات ، هو استهداف لدماء الأبرياء ، كلنا نتذكر كيف قتلت المليشيات ذاتها أكثر من 1200 متظاهر شيعي وجرحت أكثر من ستة آلاف بجراح بالغة وصلت إلى الإعاقة والعمى وبتر الأطراف ، في ثورة تشرين العراقية عام 2019 ، فقط لأنهم تظاهروا ضد إيران وطالبوا باستقلال القرار العراقي ، تخيلوا أن تُقتل كل هذه الأنفس لتثبيت سطوة المليشيات في بغداد .
الحوثي اليوم جزء من هذه المدرسة نفسها ، مدرسة تقترف الدم ، وتهدم مساجد المسلمين في اليمن ، وتقصف مقدسات المسلمين في الحرمين ، تنفيذاً لأجندة أطراف تعده بالتمكين ، من يفعل ذلك ، لا يمكن أن يكون مقاومة ، بل هو أداة هدم لمكانة الحرمين وللشرعية التي تحميهما .