بقلم : دكتوره/ مها ياسر
مع دخول الأجيال الجديدة إلى مواقع المسؤولية والقيادة، ستصبح بيئة العمل أكثر تنوعًا من حيث الخبرات، وطريقة التفكير، والتعامل مع التكنولوجيا.
وقد يجمع فريق العمل الواحد بين مدير ينتمي إلى جيل Alpha وموظفين من جيل Z، وبينهما اختلاف واضح في نظرة كل طرف إلى السلطة، والاستقلالية، وأساليب إنجاز المهام.
فكيف يمكن إدارة هذا الاختلاف؟
الإجابة لا تبدأ بفرض السلطة، وإنما بفهم المصالح التي تقف خلف المواقف.
لا تفاوض على الموقف… فاوض على المصالح
من المبادئ الأساسية التي يقدمها كتاب Getting to Yes في التفاوض:
“For a wise solution, reconcile interests, not positions.”
أي أن الوصول إلى حل حكيم يتطلب التوفيق بين المصالح، وليس مجرد التمسك بالمواقف.
فعندما يقول المدير:
«أريد تنفيذ المهمة بهذه الطريقة.»
فهذا هو الموقف – Position.
لكن المصلحة التي تقف خلفه قد تكون الحفاظ على الجودة، أو تقليل الأخطاء، أو الالتزام بمعايير المؤسسة، أو حماية العميل، أو ضمان تسليم العمل في الموعد المحدد.
وفي المقابل، عندما يطلب موظف من جيل Z تنفيذ المهمة بطريقة مختلفة، فإن موقفه قد يخفي مصالح أخرى، مثل توفير الوقت، أو استخدام أدوات تقنية أكثر كفاءة، أو الحصول على قدر أكبر من الاستقلالية، أو اختبار أسلوب جديد في العمل.
إذن، قد لا يكون الخلاف الحقيقي حول المهمة، وإنما حول الطريقة التي سيتم بها تنفيذها.
افصل بين الهدف والطريقة
هنا تظهر أهمية إعادة صياغة الحوار.
بدلًا من أن يكون السؤال:
«ما الطريقة التي يجب اتباعها؟»
يمكن أن يصبح:
«ما النتيجة التي نحتاج إلى تحقيقها؟ وما الطريقة الأكثر كفاءة للوصول إليها؟»
هذه النقلة البسيطة تغير طبيعة التفاوض بالكامل.
يمكن للمدير أن يحدد بوضوح العناصر التي لا يمكن التنازل عنها، مثل:
* جودة المخرجات.
* الموعد النهائي.
* معايير الأداء.
* الميزانية.
* متطلبات العميل.
* سياسات المؤسسة.
وفي المقابل، يمكن منح الموظف مساحة لاختيار الطريقة التي سيصل بها إلى النتيجة المطلوبة، طالما التزم بالمعايير المتفق عليها.
وهنا تنتقل الإدارة من إدارة الطريقة إلى إدارة النتائج.
ماذا يضيف جيل Z؟
نشأ جيل Z في بيئة سريعة التغير، ارتبط فيها العمل بالتكنولوجيا، والمنصات الرقمية، وسرعة الوصول إلى المعلومات.
لذلك، قد يقترح حلولًا مختلفة عما اعتادت عليه الأجيال السابقة.
وهذا لا يعني أن كل طريقة جديدة أفضل، كما أن الخبرة لا تعني أن الطريقة التقليدية هي الأفضل دائمًا.
القيادة الفعالة هي التي تستطيع الجمع بين الاثنين:
خبرة تساعد على فهم المخاطر والسياق، وابتكار يساعد على اكتشاف طرق جديدة للإنجاز.
وماذا عن جيل Alpha؟
جيل Alpha سيصل إلى سوق العمل في بيئة أكثر اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي والأتمتة والتكنولوجيا المتقدمة.
ومع وصول أفراده مستقبلًا إلى مواقع القيادة، لن يكون التحدي مجرد إدارة جيل Z، بل إدارة فرق متعددة الأجيال، لكل منها تصور مختلف للعمل والسلطة والتواصل.
ولهذا، فإن مهارة التفاوض على المهام ستصبح جزءًا أساسيًا من مهارات القيادة.
فالمدير لا يحتاج إلى التخلي عن سلطته، والموظف لا يحتاج إلى التخلي عن استقلاليته.
المطلوب هو الاتفاق أولًا على:
ماذا نريد أن نحقق؟
ثم التفاوض حول:
كيف يمكن أن نحقق ذلك بأفضل طريقة؟
بين الأجيال… الهدف المشترك هو نقطة البداية
الاختلاف بين الأجيال ليس بالضرورة مشكلة إدارية.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف في طريقة التفكير إلى صراع على السلطة.
أما عندما يتم توجيه هذا الاختلاف نحو هدف مشترك، فقد يصبح مصدرًا للتعلم والابتكار وتحسين الأداء.
لذلك، فإن المدير الذي يتعامل مع جيل Z أو جيل Alpha لا يحتاج إلى إثبات أنه صاحب الكلمة الأخيرة.
بل يحتاج إلى أن يكون واضحًا بشأن النتيجة المطلوبة، ومرنًا بشأن الطريق المؤدي إليها.
فأفضل تفاوض على مهام العمل ليس الذي ينتصر فيه موقف على آخر، وإنما الذي يحول اختلاف وجهات النظر إلى طريقة أفضل لإنجاز العمل.
اتفق على الهدف… تفاوض على الطريقة… واترك للاختلاف فرصة أن يصنع قيمة.