الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٩ سبتمبر-٢٠٢٦       6270

بقلم: عبدالله الكناني

*الوطن قيمة غالية في ذاكرة المواطن السعودي، وعالية في وجدانه وحياته،قيمة لم تبدأ مع جيل اليوم، بل امتدت في حياة الآباء والأجداد، وتوارثتها الأجيال حبًا، ووفاءً، وانتماءً، إنه الوطن الذي أرسى ثباته الملك عبدالعزيز ورجاله(رحمهم الله)، ثم مضى من بعده أبناؤه الملوك ورجال الدولة، ومعهم الشعب السعودي الأبيّ، يزرعون ذلك الغرس، ويسقونه محبةً ورفعةً، حتى غدا الانتماء إليه شعورًا يتجاوز المناسبة، ويسكن تفاصيل الحياة.*

وتتراءى هذه المعاني واضحة للناظر، وللمتابع، وللإعلامي الذي يرصد المشهد، ويقرأ تفاعلات الناس في مناسبات الوطن. فالابتهاج لا يتوقف عند احتفالات إمارات المناطق والوزارات والجهات والقطاعات الرسمية، بل يمتد إلى البيوت، والقاعات الخاصة، والأحياء، ومبادرات المواطنين والمواطنات. 
كلٌّ يريد أن يحتفي، والجميع يريد أن يشارك. مشهد عفوي في ظاهره، عميق في دلالته، لأنه يكشف أن المناسبة الوطنية لم تعد حدثًا يُتابَع، بل شعورًا يُعاش.

وأمام هذه *الصور الجميلة*، وما تحمله من محبة صادقة وفرح تلقائي، حضرت في الذهن تلك العبارة التي اختصرت المشهد كله: *"لك الله كم نحبك يا بلدنا"* ،ثم جاء شعار اليوم الوطني، *"عِزّنا بطبعنا"*، كأنه يكمل المعنى، فالمحبة هنا ليست طارئة، والعزة ليست مستعارة، وإنما طبع متجذر، وذاكرة ممتدة، وهوية تنمو مع الإنسان منذ طفولته.

*من هنا، عادت إلى الذاكرة كلمات الأمير الشاعر عبدالرحمن بن مساعد*:

*"لك الله كم نحبك يا بلدنا*
*فداك الحال والمال وولدنا*
*تعلمنا نحبك قبل نخلق*
*وقبل أعمارنا يوم انولدنا* 

ليست كل *الكلمات* سواء. فثمة كلمات تُقال، ثم تمضي مع مناسبتها، وثمة كلمات تُولد لتبقى. تعبر من المنصة إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الوجدان، حتى تصبح جزءًا من صورة الوطن في نفوس أبنائه، وهذه الأبيات من ذلك النوع الذي لا يكتفي بوصف الوطن، بل يذهب إلى جوهر العلاقة به، إلى الفطرة التي يتشكل فيها الحب قبل أن نعرف اسمه، وإلى الذاكرة التي تبدأ في البيت، ثم تكبر معنا، حتى يصبح الوطن جزءًا من تعريف الإنسان لنفسه.

وحين يقول الشاعر: *تعلمنا نحبك قبل نخلق*، فإنه يصوغ معنى بالغ العمق. فحب الوطن ليس حماسة موسمية، ولا استجابة عابرة لمناسبة، وإنما ميراث وجداني تتناقله الأجيال. حتى يصبح الانتماء سلوكًا، والوفاء موقفًا، والمحبة مسؤولية.

*ثم* يرتفع النص إلى مساحة الاعتزاز:

*رفعتي قدرنا فوق الثريا*
*ونلنا بك الدنيا سعدنا*

وهنا لا يعود الوطن مجرد أرض نسكنها، بل قيمة تسكننا، هو الأمان حين تضطرب الأمكنة، والهوية حين تتزاحم الهويات، والمكانة حين يقف الإنسان خارج حدوده، فيجد اسم وطنه يسبقه إليه، ومن هنا، تتبدى العلاقة العميقة بين الوطن وأبنائه. 
يمنحهم اسمه، ومكانته، وأمنه، ويردون ذلك بالعمل، والوفاء، وحفظ المنجز، والإضافة إليه.

ولعل أجمل ما في النص أنه لا يجعل المحبة نهاية المعنى، بل بدايته:

*نعاهد ربنا إنا نصونك*
*بعون الله نتمم لك عهدنا*

*هنا* ترتفع القصيدة من العاطفة إلى التكليف، لأن الأوطان لا تُصان بكثرة المديح، ولا تحفظها الشعارات وحدها، وإنما يحفظها العلم، والعمل، والوعي، والإتقان، والقيام بالواجب. 
فالمحب لوطنه ليس من يكثر القول عنه فحسب، بل من يزيده بناءً، ويحفظ أمنه، ويرتقي بسمعته، ويؤدي مسؤوليته، كأنها عهد بينه وبين أرضه.

لقد كانت *الأوبريتات الوطنية* في المهرجان الوطني للتراث والثقافة *"الجنادرية"* واحدة من أجمل صور هذا التلاحم بين الكلمة والوطن، إذ اجتمع الشعر، واللحن، والموسيقى، والصوت، والمشهد، فتحولت المناسبة إلى ذاكرة، واللحظة إلى أثر. 
*هنا يكمن سر الفن الوطني الكبير،* فالخبر يخبرنا بما حدث، أما الفن فيجعلنا نشعر بما حدث. 
والصورة تحفظ المشهد، أما القصيدة فتحفظ معناه، واللحن قد ينتهي في دقائق، لكنه يستطيع أن يعيش في الذاكرة عقودًا.

*واليوم، والمملكة تعيش مرحلة استثنائية من التحول، والطموح، والإنجاز، يبدو السؤال مشروعًا: أين العمل الفني الوطني الكبير الذي يوازي هذه المرحلة في حجمها وعمقها؟*

لسنا بحاجة إلى استنساخ الماضي. فالإبداع لا يعيش بالتكرار، لكننا بحاجة إلى استعادة روحه، وتطوير أدواته، وصناعة أعمال تليق بوطن يصعد بثقة، ويجدد مدنه، ويستحضر تراثه، ويصنع مستقبله، أعمال تستفيد من أحدث التقنيات، والصورة، والسينما، والمنصات الرقمية، من دون أن تفقد جوهرها الأول: الكلمة الصادقة، واللحن الأصيل، والمعنى الذي يبقى.

كما أن *مهرجانات المناطق والمدن* تستحق أن تكون منصات لصناعة الذاكرة، لا مناسبات تنتهي بانتهاء برنامجها. 
ففي كل منطقة حكاية، وفي كل مدينة ذاكرة، وفي كل قرية تراث، وإنسان، وقصة تنتظر من يحولها إلى شعر، ولحن، وصورة تحفظها للأجيال.

*إن الفن الوطني الراقي ليس ترفًا، بل استثمار في الوعي، والهوية، والقوة الناعمة*. 
فالأجيال لا ترث الأرقام وحدها، وإنما ترث أيضًا القصائد التي قيلت، والأغاني التي غُنّيت، والمشاهد التي بقيت، والأعمال التي شرحت لها كيف كان وطنها يحلم، وكيف كان أبناؤه يحبونه.

*شكرًا لسمو الأمير عبدالرحمن بن مساعد على كلمات بقيت، لأنها خرجت من شعور صادق، ووصلت إلى شعور صادق.* 
وننتظر منه، ومن مبدعي الوطن، الكثير،فالوطن اليوم أكثر ثراءً بالحكايات، وأعلى سقفًا بالطموحات، وأشد حاجة إلى فن يوازي منجزه، ويحفظ لحظته، وينقلها للأجيال.

فإذا كانت الإنجازات تُكتب بالأرقام، فإن الذاكرة تُكتب بالكلمة، والصورة، واللحن. وإذا كان الوطن قد بلغ في طموحه هذه الأعالي، فإن الإبداع جدير بأن يرتفع معه.

*لك الله كم نحبك يا بلدنا.. وعِزّنا بطبعنا*.