الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ سبتمبر-٢٠٢٦       9845

بقلم ـ أروى الغلاييني

حين تخطط أن تسافر إلى مدينة القاهرة، قد تفضل أن تعيش كـ«سائح عابر» يستمتع بالأماكن السياحية و محلات التسوق، وإما أن يتذوق جماليات المدينة العريقة كأنه واحد من أهلها (إلى حد ما). مثلاً ان تقيم في بيت ضيافة،

او في فندق محلي يقع وسط المدارس والبيوت في حي عريق كالزمالك أو المعادي،بدلا من الإقامة في فندق عالمي. ويمكن أيضا استئجار شقة مثلاً في حي المقطم؛ فتتبادل التحية مع حارس العمارة وأطفاله الذي يعطيك موجزاً يومياً للأحداث، وتستمع إلى بعض تفاصيل الحياة القاهرية من الجيران وأنت تصعد السلم أو تركب المصعد معهم.

وإن أنت اخترت هذا الخيار، فبوصلتك ستؤشر لك من أوائل الأماكن لتزورها على «مكتبة مدبولي» في مقرها الأول بوسط البلد في ميدان طلعت حرب .

هذه المكتبة ليست مجرد مكان لبيع الكتب، بل هي أحد أعرق وأقدم صروح الثقافة في مصر والعالم العربي؛ أسسها محمد مدبولي الذي يُعدُّ واحداً من أبرز ناشري العرب يرحمه الله تعالى .

ما أن تخطو للداخل من بابها الضيق حتى يدهشك وقع الزمن عليها؛ حيث تتكون من ثلاثة أدوار (أرضي، وسفلي، وقبو) يقود الواحد للآخر سلالم ضيقة متآكلة الدرجات، فتحسب أنك تدخل مغارة علي بابا للمعرفة البشرية مفتوحة لك دون أن تنادي: افتح يا سمسم!

هناك، تحتشد المعارف وتتكدس دون أن يزعجك ذلك؛ بل تنبسط قسمات وجهك لما ترى: كتب في علوم القرآن الكريم والحديث الشريف، ومراجع في الرياضيات والطب والتاريخ ، وفنون وروايات وسير ذاتية ،وقصص أطفال، و بعض مؤلفات بلغات غير العربية . تبدو الكتب كمن يحاصر الناظر إليها حصارا ودودا من كل جهة، فهي متراصة على الأرفف، وعلى الطاولات، ومفروشة حتى على الأرض، لدرجة يتعسر معها على أي باحث الإحاطة بكل العناوين إلا أن يمكث هناك أسابيع طويلة!

وأكثر ما يُميز المكان سيادة رائحة الحبر ، تلك الرائحة الساحرة التي ستوقظ في داخلك -كما أيقظت فيّ- حنيناً لأول العهد بالقراءة (مع والديّ يرحمهما الله) : ذكريات مبهجة للقلب ومنعشة للروح.

وأثناء التجول بين الطاولات والأرفف، ستستوقفك أحاديث العاملين بها

حيث كانوا يتناقشون حول منشورات جديدة، وعن معرض كتاب قادم. وكانوا بين هذا وذاك يجيبون الزبائن على استفساراتهم عن الكتب ومؤلفيها عن ظهر قلب، وكأنهم هم من ألّفها!

وحين سألتهم عن روايات مصرية معاصرة، تطوعوا لترتيبها حسب الجودة -برأيهم الخالص- ورشحوا لي أعمالاً أثارت فضولي، مثل رواية «أوراق شمعون المصري» لأسامة الشاذلي، ورواية «وصف البلبل» لسلوى بكر.

وحين تهمّ بدفع ثمن ما اشتريت من الكتب، سيلفت نظرك عند المحاسب تفصيل صغير سيعيدك عقوداً إلى الوراء: لفافة سميكة لورق لونه بني مطبوع عليه اسم المكتبة، مخصص للتغليف. وفي الغالب ستطلب أن تُغلف بعض ما اشتريت بتلك الطريقة العتيقة، لتعيش أكثر تجربة الزمن الجميل بكل حواسّك.

ستخرج من هناك وأنت متيقن أن زيارة واحدة لمكتبة مدبولي لا تكفي؛

فهي بمثابة نافذة مشرعة يُعلن منها حضور العلم والمعرفة والثقافة والفكر وتربط أصالة الماضي بالحاضر المعاش بوثاق البصر ورائحة الحبر .