الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٤ سبتمبر-٢٠٢٦       8250

بقلم : الدكتورة/ عزة القصابي 

تتوالى تقديم عروض مهرجان ظفار الدولي للمسرح في دورته الثانية، برعاية خاصة من بلدية ظفار، دعمًا للمسرح وتأكيدًا على أهميته في رصد واقع الشعوب والمجتمعات، والتعبير عن أحوالها، والتحدث عن أحلامها وهمومها، وسط هذا العالم الذي أصبحت التقنية تتحكم في مساراته وتوجهاته.

وهذه مجموعة من العروض التي قُدّمت في المهرجان خلال أيامه الأخيرة، وحظيت بمتابعة جماهيرية واسعة. ونأمل أن تشهد دورته الثالثة تنوعًا أكبر، واستقطاب خبرات فنية متميزة ونجومًا مسرحيين يعبرون القارات والحدود للمشاركة في هذا الحدث المهم، الذي يُقام في محافظة ظفار بسلطنة عُمان.

عرض مسرحية "شجرة اللبان" العماني

   يفوح بعبق رائحة اللبان

عاد عرض " شجرة اللبان" بعد عاميين، عندما حصد على الجائزة الكبرى في مهرجان ظفار الدولي للمسرح، ليتنافس مرة أخرى مع عروض النخبة. استُوحيَت أحداث هذه المسرحية أحداثها من رواية "أنوشكا" للكاتب محمد الشحري، وهي من إعداد الكاتب نعيم نور، وإخراج يوسف البلوشي. وهي تحكي قصة فتاة "جنيّة" تُدعى "أنوشكا"، التي وقعت في حب رجل من بني آدم واقترنت به. وتمخض عن ذلك نزاعا بين بني آدم وقبيلة الجن التي كانت "موشكا" تنتمي إليها.وعلى الرغم من ذلك، فقد اقترنت روح "موشكا" بهذا الرجل الذي أحبّته، ونتج عن ذلك جنينٌ ينبض في بطنها، حتى اكتُشف أمرها، وعرفت قبيلتها بذنبها.عُرضت هذه المسرحية في أكثر من دولة عربية، مثل العراق ومصر والشارقة والأردن، وكان المخرج يوسف البلوشي حريصًا على إحداث تغييرات وإضافات في العروض المختلفة للمسرحية.

وقد استطاع المخرج والسينوغراف البلوشي تجسيد فصول رواية "موشكا"، التي تمزج أحداثها بين الواقع والخيال. وأسهمت عناصر السينوغرافيا البصرية، مثل الديكور والإضاءة والأزياء، إلى جانب الفنيات الصوتية والموسيقية، في دفع الأحداث ونمو الشخصيات. كما استُخدمت في هذا العرض المسرحي إكسسوارات مستوحاة من البيئة المحلية في ظفار.

استوحى عرض "أسطورة اللبان" جمالياته من توظيف الأغاني والأهازيج المستوحاة من التراث العُماني، لتتناغم مع أحداثه الدرامية الحافلة بمتضادات الحياة: "الخير والشر، الحب والكره، التراب والنار، الحياة والموت"، وذلك عبر منظومة بصرية استعراضية.

وفي المجمل، سعى المخرج يوسف البلوشي إلى تقديم "ملحمة إنسانية" بأسلوب جمالي وإيحائي، حيث يتداخل الخيال والغيبيات مع البحث عن المجهول، موظفًا فنيات الإضاءة والصوت والموسيقى، ومستثمرًا عناصر التراث العُماني في ثنايا العرض المسرحي. وقد وظّف في عرض "أسطورة اللبان" عددًا من الفنون الشعبية؛ بعضها قُدِّم كما هو، وبعضها الآخر استُخدم فيه القالب اللحني الموسيقي التراثي بصيغته الأصلية.

عرض مسرحية «هاملت» التركي..

يبحث عن الذات....,يفجر قضايا عديدة

قُدِّم عرض «هاملت» من تركيا في مهرجان ظفار الدولي للمسرح، ضمن مسابقة العروض الكبرى. والمسرحية من تأليف الكاتب الإنجليزي وليم شكسبير، وتتحدث عن انتقام «هاملت»، أمير الدنمارك، من قاتل أبيه، عمه كلوديوس، الذي أراد الاستيلاء على السلطة والعرش، حيث تزوج من والدة هاملت بعد وفاة أبيه، وأصبح ملكًا. وتنتهي المسرحية بانتقام هاملت، وما يترتب عليه من تصفية أفراد العائلة الملكية، فيما يُصاب هو أيضًا إثر المواجهة الأخيرة.

توالت الأحداث الدرامية في مسرحية "هاملت" ولعل المشهد الذي غيّر مسار الأحداث هو ظهور شبح الأب، الملك والد هاملت، في أحلامه ويقظته، ليخبره بأن هناك مؤامرة حِيكت ضده، وأنه قُتل غدرًا، ويطلب منه الانتقام. اختصر عرض "هاملت" التركي الحوارات السردية في تراجيديا مسرحية "هاملت" أمير الدنمارك. كما استخدم "خيال الظل" أكثر من مرة، ومنها المشهد الذي ظهر فيه شبح الأب الملك، المقتول، وطلب الانتقام والثأر لمقتله.

وجعل المخرج هناك "شاشة" في عمق المسرح، تتغير وتتحول حسب الحالة النفسية والمواقف الصعبة التي عاشها الأمير "هاملت". وكان يبث على الشاشة فيلمًا وثائقيًا حول حياة القصور وفخامة الحياة الملكية، ثم تعاقبت الرؤى البصرية التي تزامنت مع الأحداث على الخشبة. وفي المشهد الذي شاهدنا فيه الملكة والملك يجلسان ويفكران ويتهامسان، بثت الشاشة مقاطع من فيلم وثائقي عن نوع من النباتات التي تلتهم الحشرات بصورة مقززة.

وفي مشهد آخر، جاء بعد حدوث جدل وصراع بين هاملت وعمه وأمه، حيث وجّه هاملت الاتهامات إلى عمه بقتل أبيه، بينما بثت الشاشة فيلمًا وثائقيًا عن أكوام القمامة والخراب والنفايات، وكأن الحياة الاجتماعية في القصر أصبحت نتنة ومقرفة، مثل أكوام الزبالة التي لا تُطاق!

وفي مشهد آخر، عندما ادّعى "هاملت" الجنون حتى يكشف حقيقة مقتل أبيه، حدث تصعيد للفعل الدرامي عندما واجه "هاملت" عمه وأمه بأنهما السبب في مقتل أبيه. أما "عقدة الدم" التي شاهدناها في مسرحية "مكبث" فقد ظهرت في هذا العرض عندما ظهر العم وهو يحمل إناءً فيه دم، وقام بغسل يديه بالدم، وظل يغسلهما حتى لطّخ وجهه. بينما كنا نشاهد عبر الشاشة صورة لنهر متدفق بالدماء.

وبرز الممثلون في أداء الأدوار التمثيلية المحفورة في ذاكرة المسرحيين حول العالم.ورغم طول الحوارات في تراجيديا مسرحية «هاملت»، فإن الممثلين الذين قاموا بالأدوار الرئيسية كانوا محترفين. واستطاعت هذه الكوكبة من الممثلين النجوم تقمّص أدوار الشخصيات، مثل هاملت والملك كلوديوس والملكة، وتمكنوا من تأدية أدوارهم بأسلوب احترافي وتمثيلي، والتواصل مع الجمهور؛ إذ كان هناك كسر للإيهام أكثر من مرة، عندما شاهدنا الممثلين وهم يترجلون عبر ممر يتصل بخشبة المسرح ويتوسط الجمهور في أكثر من موقف، في محاولة للتواصل مع الجمهور والاقتراب منهم.

وغلبت الأزياء التاريخية التي تتقارب مع الفترة التي كُتبت فيها مسرحية «هاملت» في أواخر القرن السادس عشر، فكانت ذات فخامة، كونها تنتمي إلى عالم القصور والملوك. وتوافقت الموسيقى مع الأحداث وطبيعة المضمون الذي يجسّد تراجيديا العصور الإنجليزية القديمة.

عرض مسرحية «أصحاب السبت» العُمانية...

تصف الواقع الاقتصادي بطاحونة القمح

قدّمت فرقة السلطنة مسرحية «أصحاب السبت»، من تأليف أسامة زايد وإخراج مرشد راقي، في مهرجان ظفار الدولي للمسرح، ضمن عروض النخبة. ويشارك في هذا العرض مجموعة من الفنانين العُمانيين. وتحكي المسرحية قصة «خلدون»، صاحب طاحونة القمح التي تُعد مصدرًا للرزق والغذاء لأهل القرية، فمنها يكسبون قوتهم، إلا أن خلدون يواجه ضغوطًا اقتصادية واجتماعية، وينعكس ذلك على فريق العمل من العمال والمزارعين وأسرهم. وتتزايد معاناتهم بسبب جباية الضرائب من قبل رجل يُدعى «يعقوب» كان يستغل مجتمع أهل القرية ويستنزف مواردهم الاقتصادية، دون مراعاة لظروفهم المعيشية الصعبة .

ويظل «خلدون» يعيش هاجس الخوف من الفشل والانهيار المادي، بسبب فرض الضرائب عليه كل سبت، دون مراعاة لظروفه المادية، وكأنه يعيش في «غابة» يكون البقاء فيها للأقوى. وحتى زوجته، التي رحلت عنه منذ زمن، تأتيه في المنام ويتحاور معها، مؤكدةً أن ما يحدث له اليوم قدرٌ محتوم.

وأثّرت تداعيات الظروف المادية التي يعيشها «خلدون» في حياة العمال الذين يعملون في الطاحونة؛ فبعد تعرضه للأزمات المالية وضغوط جباية الضرائب، يصبح عاجزًا عن دفع مستحقات العمال ورواتبهم، وهو ما يعرّضهم للمجاعة والتشرد والضياع، نتيجة الطمع والفساد والجشع.

وتتوالى الأحداث الدرامية، ونشاهد المخرج يستخدم «الشاشة» الموجودة في عمق المسرح عندما يتحدث البؤساء والفقراء، لنشاهدهم عليها وهم يقصّون علينا الإخفاقات والعثرات المادية والاجتماعية التي تجعل هذه الفئة الكادحة من أكثر الفئات تضررًا. ويكاد هذا المشهد يتكرر في دول كثيرة، عندما تنقل وسائل الإعلام تردي الأوضاع والضرر الذي يلحق بالمجتمعات.إذ غالبًا ما تضيع العدالة الاجتماعية، وتتركز الثروات في أيدي فئة محدودة من الناس، أو ما يُسمى بالطبقة المخملية. وهذا يجعل الأفراد يعيشون في دوامة الصراع والبحث عن مصادر الدخل لتوفير أبسط الاحتياجات، كالماء والغذاء.

ناهيك عن استمرار جابي الضرائب «يعقوب» في أداء عمله يوم السبت تحديدًا، ولذلك سُمّي جابي الضرائب وأتباعه بـ«أصحاب السبت»، حيث كانوا يقومون بجمع الضرائب من الفقراء. وقد تسبب ذلك في انتشار الفقر والعوز، ووجود فجوة سحيقة بين شرائح المجتمع فالبعض يعيش دون خط الفقر.

واستغل المخرج الفضاء المسرحي الذي غلب عليه السواد، مكتفيًا ببعض قطع الديكور، مثل «السلم» الذي استخدم مكانًا لجابي الضرائب وكذلك لصاحب الطاحونة «خلدون»، بينما ظل باقي المزارعين يتحركون في الأسفل، للدلالة على تدني الوضع الاقتصادي، وتأكيد الطبقية بين الغني والفقير.

كما وضع «بابًا» وهميًا للدخول والخروج، وكانت الشخصيات تدخل وتخرج من الباب نفسه، فضلًا عن استخدام «الشاشة» التي وُضعت في عمق المسرح، والتي أكدت فكرة العمل ومعاناة الشخصيات التي عاشت مرحلة الجوع والعوز والحزن الشديد. فيما عملت الموسيقى والمؤثرات الصوتية على تكثيف الإحساس بالألم والحزن والعوز والتشرد.

 عرض " بيت أبو عبدالله " العراقي ...الجدران تحكمه

يشارك عرض مسرحية «بيت أبو عبدالله» في مهرجان ظفار الدولي للمسرح، وهو من تأليف وإخراج وتمثيل أنس عبد الصمد، لفرقة المستحيل من العراق. ومنذ الوهلة الأولى، غاب الحوار عن هذا العرض، وبرز الأداء التمثيلي والتعبير السيكودرامي للشخصيات، التي كانت تعيش حالة من الاضطراب النفسي والذهني، وتنقطع عن الآخر.

برزت «الصورة البصرية» عبر شاشة وُضعت في عمق المسرح، وتزامنت مع حالة أفراد الأسرة التي تعيش انفصالًا ذهنيًا واجتماعيًا ونفسيًا عن الآخرين داخل المنزل نفسه. وكان كل من يدخل هذا المنزل يتصرف وفق آلية الحركة والأداء التي رسمها الأب وأبناؤه وزوجته، فيما كان تصعيد الفعل وتكثيفه يتجسدان في نفسيات الشخصيات، التي يدفع بها الحدث إلى مربع الجدران التي تحاصرها وتضيّق الخناق عليها، حتى كادت أن تقضي عليها.

فالجدران هنا تحسّ وتتحرك وتشارك الشخصيات أداءها التمثيلي المتشنج، وكأننا في مصحة عقلية.وظهرت بانوراما خلفية لأصوات الجرذان التي تزامنت مع أفراد أسرة أبي عبدالله، وكانت تصدر أصواتًا مزعجة ومخيفة، فكانت بديلًا عن المؤثرات الصوتية والموسيقية، وتؤكد ضيق الحياة وضياع الأمان وانعدام التواصل بين أفراد الأسرة الواحدة.

افتقرت حركة الممثلين إلى الترابط الإنساني، وظلت تسير في خطوط متوازية ومربعة الشكل، ومثلما يقال: «امشِ جنب الحيط». ومنذ بداية المشاهد الأولى، تظهر المرأة منشغلة بذاتها رغم وجود الرجل/الزوج/الأب، إلا أنهما ظلا يسيران في خطوط متوازية.

إن ظهور الطبيب النفسي في العرض أكد حالة التشتت وانعدام الأمان لدى الأسرة، وتزامن ذلك مع حالة الصمت في الفضاء المسرحي. وظلت الأحداث الأقرب إلى «السيكودراما» تلتف حول ذاتها، ثم سرعان ما ترتد إلى ذوات الشخصيات لتعانق أرواحها المتشنجة، والمتسخة برائحة الجرذان النتنة!

وهذا الانفصال عن الواقع الذي حرص مخرج وممثل العرض، أنس عبد الصمد، على تقديمه، يقترب من المسرح الملحمي؛ إذ حصر الممثلين في الأداء الجسدي، الأقرب إلى المسرح الملحمي، حيث كانت الشخصيات تنسلخ عن ذواتها، وتبدو غير قادرة على التواصل مع الآخرين، وظلت تعيش حالة من الدهشة، وتبدو مصدومة من الواقع الذي تعيشه، برؤية موازية أو في اتجاه أحادي واحد.

واستخدمت «الشاشة الخلفية» للتأكيد على أن أفراد الأسرة يعانون من الغربة الفردية؛ فظهرت صور الجرذان للتعبير عن حالة القلق والتوتر التي هيمنت على أفراد الأسرة، والتي تعاني من التفكك الأسري والخوف والرعب، في ظل الحروب والدمار وانعدام الأمن في العراق وغيرها من البلدان العربية.

كما يتبادر إلى الأذهان، وخصوصًا عندما شاهدنا الشخصيات تمسك بالهاتف وتعمل على الآيباد، أن الأسرة، بل المجتمع بأسره، يعاني من حالة تشتت وانفصال نتيجة استخدام التقنية ووسائل التواصل الاجتماعي، وهذا ما عمّق الفجوة الاجتماعية والفكرية والثقافية والنفسية، وإن كانت الأحداث لم تُظهر ذلك بصورة مباشرة.

وصولًا إلى اللحظة التي يبدأ فيها الديكور بالتحرك وتضييق الخناق على الشخصيات، يتنامى الشعور بالأزمة النفسية التي جعلتهم يعانون الأمرّين، ويشعرون بتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وهو انعكاس للأوضاع القاسية التي عاشها المجتمع العراقي خلال السنوات الأخيرة.