الكاتب : النهار
التاريخ: ١٤ سبتمبر-٢٠٢٦       9075

الرياض - النهار

يدخل المشهد الإعلامي والثقافي هذا الأسبوع مرحلة أكثر عمقًا في التعامل مع الذكاء الاصطناعي، فلم تعد المسألة مرتبطة باستخدام الأدوات التقنية فحسب، بل امتدت إلى قضايا الحوكمة، وحماية اللغة، وحقوق الناشرين، وقيمة الأرشيف، وبناء الكفاءات الإعلامية والثقافية القادرة على التعامل مع التحولات الجديدة بوعي ومسؤولية.

وتتجه الأنظار إلى الرياض مع انعقاد منتدى اليونسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، بما يعزز حضور المملكة في النقاش الدولي حول الاستخدام المسؤول للتقنيات الذكية. ويكتسب هذا الحدث أهمية خاصة للإعلام، إذ يطرح سؤالًا جوهريًا حول حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى، وكيف يمكن للمؤسسات الصحفية أن تستفيد من التقنية دون التفريط في المصداقية، أو الخصوصية، أو المسؤولية المهنية.

وفي سياق متصل، يبرز ملف اللغة العربية في عصر الذكاء الاصطناعي بوصفه أحد أهم الملفات الثقافية والإعلامية؛ فحضور العربية في النماذج الذكية والمنصات الرقمية لم يعد شأنًا لغويًا فقط، بل أصبح مرتبطًا بجودة المعرفة العربية، وقدرة المحتوى السعودي على التأثير في الفضاء الرقمي. وهنا تبرز مسؤولية الصحافة الثقافية في إنتاج محتوى عربي رصين، موثق، وقادر على تمثيل الهوية الوطنية بلغة مهنية عالية.

وعلى صعيد النشر، يشكل فتح باب التسجيل للمشاركة في معرض الرياض الدولي للكتاب 2026 مؤشرًا مبكرًا على استعداد قطاع النشر لموسم ثقافي مهم. ولم يعد المعرض مناسبة لعرض الكتب فقط، بل أصبح منصة لصناعة النشر، وحقوق الترجمة، وتسويق المؤلف السعودي، وبناء العلاقات بين الناشرين محليًا ودوليًا. وتستحق هذه المرحلة متابعة تحريرية تركز على ما ينتظره الناشرون، وما يمكن أن يضيفه المعرض لحضور الكتاب السعودي.

وفي قطاع التأهيل الإعلامي، تعكس مدرسة الموهوبين الإعلامية توجهًا مهمًا نحو الاستثمار المبكر في صناعة جيل إعلامي جديد، يجمع بين المهارة التحريرية، والفهم التقني، والقدرة على التعامل مع الذكاء الاصطناعي والإعلام متعدد اللغات. وهذا المسار يؤكد أن مستقبل الإعلام السعودي لا يقوم على تطوير الأدوات وحدها، بل على بناء الإنسان القادر على استخدامها بوعي ومهنية.

أما منصة «إعلام» التي أطلقتها وزارة الإعلام، فتدخل هذا الأسبوع مرحلة ما بعد التدشين؛ وهي المرحلة الأهم، حيث يبدأ اختبار أثرها العملي في توحيد الخدمات الرقمية المرتبطة بالقطاع الإعلامي، وتسهيل الإجراءات أمام المنشآت الإعلامية والصحفيين وصناع المحتوى. وتفتح المنصة بابًا لتغطية تفسيرية مهمة حول أثر التحول الرقمي في تنظيم العمل الإعلامي، ورفع كفاءة الخدمات، وتعزيز البيئة المهنية.

وفي القطاع الثقافي، يواصل برنامج «روّاد التراث» إبراز أهمية حماية التراث السعودي من الاتجار غير المشروع، من خلال تأهيل كفاءات وطنية قادرة على التعامل مع هذا الملف قانونيًا ومعرفيًا وتوثيقيًا. وتزداد أهمية هذا المسار مع توسع التوثيق الرقمي، وقواعد البيانات، وإمكانات الذكاء الاصطناعي في تتبع القطع والممتلكات الثقافية وحماية الذاكرة الوطنية.

وعالميًا، تتقدم قضية حقوق الصحف أمام شركات الذكاء الاصطناعي إلى واجهة النقاش القانوني والمهني، مع استمرار النزاعات حول استخدام المحتوى الصحفي في تدريب النماذج الذكية. وهذا التطور يهم المؤسسات الصحفية السعودية بصورة مباشرة، لأنه يعيد تعريف أرشيف الصحيفة باعتباره أصلًا رقميًا ذا قيمة مهنية وحقوقية واقتصادية، لا مجرد مواد منشورة في وقت سابق.

وفي الاتجاه نفسه، تكشف الشراكات العالمية الجديدة في مجال الأرشيف الإعلامي أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة لإعادة اكتشاف الأرشيف وتنظيمه وترخيصه، لا مجرد تهديد له. فالأرشيف الصحفي، متى ما جرى حفظه وتصنيفه وتوثيق ملكيته بصورة صحيحة، يمكن أن يتحول إلى مصدر معرفة، وذاكرة مؤسسية، وقيمة اقتصادية قابلة للاستثمار.

الخلاصة التحريرية

تتمحور أبرز تطورات هذا الأسبوع حول فكرة أساسية مفادها أن المحتوى أصبح أصلًا معرفيًا وحقوقيًا واقتصاديًا. ومن هنا تبدو أولوية صحيفة النهار السعودية في ثلاثة مسارات: متابعة النقاش الدولي حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي من زاوية الإعلام واللغة والحقوق، وفتح ملف أرشيف الصحيفة بوصفه أصلًا رقميًا يحتاج إلى حماية وتنظيم، ومواكبة التحولات السعودية في النشر والثقافة وبناء الكفاءات.