الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ سبتمبر-٢٠٢٦       9350

النهار - السعودية 

شارك  مركز اليونسكو الإقليمي للجودة  والتميّز في التعليم، ومقره المملكة العربية السعودية، في المؤتمر العالمي للاحتفاء بالذكرى الستين لليوم الدولي لمحو الأمية 2026، الذي نظمته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» بالتعاون مع حكومة المكسيك في ولاية تشياباس، تحت شعار «محو الأمية من أجل الإنسان والكوكب والازدهار».

ومثّلت المركز سعادة الدكتورة فاطمة بنت إبراهيم الرويس، المدير العام المساعد للمركز، ضمن مشاركة دولية رفيعة المستوى ضمت ممثلين عن منظمة اليونسكو وحكومة المكسيك، ووزراء للتربية والتعليم، ومسؤولين وخبراء وممثلين عن المنظمات والمؤسسات الدولية المعنية بالتعليم ومحو الأمية والتعلّم مدى الحياة، إلى جانب معلمين وطلاب ومختصين من مختلف أقاليم العالم.

وشمل برنامج المؤتمر حفل تكريم المبادرات الست الفائزة بجوائز اليونسكو الدولية لمحو الأمية، والجلسات العامة والحوارية المتخصصة، والاجتماع السنوي للتحالف العالمي لمحو الأمية ضمن إطار التعلّم مدى الحياة، ومناقشة خطة عمل التحالف الاستراتيجية للفترة 2026–2030.

مشاركة دولية حول مستقبل محو الأمية

شاركت الدكتورة فاطمة الرويس متحدثةً في الجلسة العامة السادسة، التي حملت عنوان «بناء عالم شامل وعادل ومستدام: من إعادة تصوّر محو الأمية إلى العمل». وناقشت الجلسة المهارات القرائية والعددية المطلوبة في الحاضر والمستقبل، ودور منظومات التعلّم مدى الحياة في تنميتها من خلال السياسات والتشريعات والأطر المؤسسية والتمويل المستدام، إلى جانب البرامج التعليمية عالية الجودة ونظم المتابعة والقياس والبيئات الداعمة للتعلّم.

ما مهارات محو الأمية المطلوبة اليوم وفي المستقبل؟ وكيف يستجيب المركز للمتطلبات المتغيرة؟

أكدت الدكتورة فاطمة الرويس في مشاركتها أن محو الأمية يبدأ بإتقان القراءة والكتابة والحساب، لكنه يمتد في عالم اليوم ليشمل محو الأمية الوظيفية والنقدية، وفهم المعلومات والتحقق من موثوقيتها، والتمييز بين الحقائق والمعلومات المضللة، والتفكير النقدي، وحل المشكلات، واتخاذ القرارات المسؤولة، والمشاركة الفاعلة في المجتمع والاقتصاد، والإسهام في حماية الكوكب.

وأوضحت أن محو الأمية المعاصر يشمل كذلك المهارات الرقمية والبيانية والمرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مؤكدةً أن إتاحة الأجهزة والتطبيقات الرقمية لا تكفي بمفردها لتحقيق محو الأمية الرقمية؛ إذ يحتاج المتعلم إلى القدرة على فهم المحتوى وتحليله، واستخدام التقنية والذكاء الاصطناعي بأمان ومسؤولية وإبداع، مع حماية الخصوصية والكرامة والرفاه، وتوفير الإشراف البشري والضمانات الأخلاقية اللازمة.

كما دعت إلى إدماج محو الأمية البيئية واستشراف المستقبل في منظومات التعلّم؛ لتمكين الأفراد من فهم المعلومات والقضايا المناخية، واستيعاب آثار خياراتهم، والاستعداد للمتغيرات المستقبلية، والمشاركة في ابتكار حلول محلية عادلة ومستدامة.

وبيّنت أن المركز يستجيب لهذه المتطلبات المتغيرة من خلال تطوير الأطر والمعايير والأدوات التي تعزز جودة التعلّم مدى الحياة، وبناء قدرات المعلمين والميسّرين، ودعم التعلّم الرقمي الشامل، وتطوير أدوات لقياس النتائج والأثر. كما طرحت مقترح إنشاء «مختبر عالمي لمهارات محو الأمية المستقبلية» لتطوير إطار مشترك للكفايات، وإعداد دليل لجودة برامج محو الأمية في البيئات الهشة والمتأثرة بالتغيرات المناخية، وتنفيذ نماذج تجريبية قابلة للتقييم والتطوير.

تجارب دولية تحوّل محو الأمية إلى مهارات للحياة والمستقبل

واستعرضت الدكتورة فاطمة الرويس عددًا من التجارب الدولية التي تجسد انتقال محو الأمية من تعليم القراءة والكتابة إلى بناء منظومة متكاملة من مهارات الحياة والعمل والمشاركة المجتمعية. ومن أبرزها نموذج «الحي المتعلم» في المملكة العربية السعودية، الذي يربط محو الأمية بالمهارات الحياتية والمهنية والرقمية، ويسهم في تمكين النساء وخدمة المجتمعات المحلية.

كما أشارت إلى تجارب الجزائر في استخدام اللغات المألوفة للمتعلمين وربط محو الأمية بالتدريب المهني ومواصلة التعلّم، ودروس اللغة العربية عبر منصة «المدرسة العربية» بوصفها نموذجًا لتوفير المحتوى الرقمي الميسّر، وتجربة الإكوادور في التعليم المجتمعي، وتجارب تايلاند والسنغال في توفير فرص التعلّم للأشخاص ذوي الإعاقة من خلال لغة برايل والتقنيات المساعدة واللغات المحلية.

وتناولت المداخلة أيضًا تجربة «Learn with NALA» في أيرلندا في توفير فرص مرنة لتعلّم الكبار، وتجربة المدارس العائمة العاملة بالطاقة الشمسية في بنغلاديش في الوصول إلى المجتمعات المتضررة من الفيضانات، ولا سيما النساء والفتيات.

وأكدت أن هذه النماذج توضح أن الابتكار وحده لا يكفي لضمان نجاح برامج محو الأمية؛ إذ ينبغي أن يرتبط بتحقيق الإنصاف وسهولة الوصول، وتلبية احتياجات المتعلمين، وتوفير قيمة عملية في حياتهم، وتحقيق أثر اجتماعي واقتصادي قابل للقياس والاستدامة.

ما الذي ينبغي الحفاظ عليه أو إيقافه أو استحداثه في منظومات التعلّم مدى الحياة؟

تناولت الدكتورة فاطمة الرويس في هذا الجانب عددًا من الأولويات التي ينبغي الحفاظ عليها أو إيقافها أو استحداثها في منظومات التعلّم مدى الحياة. وأوضحت أن هذه المنظومات ينبغي أن تحافظ على الأسس المتينة للقراءة والكتابة والحساب، وتأهيل المعلمين والميسّرين، وتوفير مسارات الفرصة الثانية، وضمان التمويل العام المستدام. واستشهدت ببرامج التعليم المستمر وخدمة المجتمع وحملات الوصول إلى المناطق النائية في المملكة العربية السعودية، بوصفها نماذج تؤكد أهمية المرونة والقرب من المتعلم والاستجابة لاحتياجات المجتمع.

وشددت على ضرورة التوقف عن الاكتفاء بقياس أعداد المسجلين ومعدلات الحضور أو المؤشرات العامة لمحو الأمية، والانتقال إلى قياس ما اكتسبه المتعلم فعليًا من كفايات، ومدى قدرته على توظيفها في حياته وعمله، وحجم التقدم المحقق في الإنصاف، والأثر الاجتماعي والاقتصادي للبرامج.

وقالت الدكتورة فاطمة رويس: "إن جودة برامج محو الأمية لا تُقاس بأعداد المسجلين أو معدلات الحضور وحدها، بل بما يكتسبه المتعلم من كفايات، وقدرته على توظيفها في حياته وعمله، ومدى إسهام البرامج في تضييق فجوات الإنصاف وتحقيق أثر اجتماعي واقتصادي ملموس في حياة الأفراد والمجتمعات".

كما دعت إلى استحداث منظومات متكاملة للتعلّم مدى الحياة بدلًا من تنفيذ مشروعات منفصلة؛ بحيث تربط السياسات والتشريعات بالأطر المؤسسية والتمويل المستدام وضمان الجودة والمتابعة والتقويم، وتعزز التعاون بين قطاعات التعليم والعمل والصحة والتنمية المحلية.

واستعرضت في هذا السياق نماذج عربية، من بينها «مدرسة الفرصة الثانية» في المغرب، وبرامج جامعة المنصورة في مصر التي تربط محو الأمية بالتنمية الريفية وتحسين جودة الحياة، وتجربة الجزائر في ربط محو الأمية بالتدريب المهني ومواصلة التعلّم.

وشددت على أن تحقيق الجودة يتطلب وضع معايير واضحة للتعلّم، وتأهيل المعلمين والميسّرين، وتوفير فرص تعلّم مرنة لمن فاتهم التعليم، وتقديم التعلّم بلغة المتعلم وبما يراعي سياقه الثقافي والاجتماعي، إلى جانب تطبيق تقويم عادل واستخدام البيانات والأدلة في التحسين المستمر.

كما أكدت أهمية إعطاء الأولوية للنساء والأشخاص ذوي الإعاقة وسكان المجتمعات الريفية والمتعلمين في البيئات الهشة والمتأثرة بالأزمات والتغيرات المناخية.