الكاتب : النهار
التاريخ: ١٢ سبتمبر-٢٠٢٦       5060

بقلم: عبدالله الكناني

ليست قوة الدول في ارتفاع أصواتها عند الأزمات، ولا في سرعة ردود أفعالها، وإنما في قدرتها على إدارة المواقف الصعبة بعقلية حكيمة، ونَفَس طويل، وقرار يعرف متى يتحرك، وكيف يتحرك، وإلى أين يصل.

 

ومن يتأمل المملكة العربية السعودية اليوم، وسط منطقة تتسارع فيها الأحداث وتتقاطع فيها المصالح، يدرك أنها دولة تبني قوتها على منظومة متكاملة: قيادة تعرف حجم مسؤوليتها، وقوات مسلحة وأجهزة أمنية تحمي السيادة والمقدرات، ومؤسسات تواصل أداءها، واقتصاد يمضي في مشروعاته، وشعب يقف خلف قيادته ووطنه بثقة وصلابة.

 

وهنا تكمن إحدى أهم صور القوة السعودية: أن تتغير الأحداث من حولها، بينما لا تتوقف الحياة داخلها، فالمواطن يذهب إلى عمله، والطالب إلى مدرسته وجامعته، والمستثمر يواصل نشاطه، وتعمل المطارات والطرق والأسواق والمشروعات، فيما تؤدي أجهزة الدولة واجباتها في حماية الوطن والتعامل مع التحديات.

 

وقد تبدو هذه الصورة عادية لمن يعيش داخل المملكة، لكنها في ميزان الدول ليست عادية؛ إذ إن من أهم مقاييس قوة الدولة قدرتها على امتصاص الأزمات، ومنع انتقال ارتداداتها إلى تفاصيل الحياة اليومية،فالسعودية لا تدير سياستها بمنطق الانفعال، ولا تبني قراراتها الكبرى على ردود الفعل الآنية، فثمة فارق بين امتلاك القوة ومعرفة كيفية استخدامها، وبين القدرة على الرد واختيار التوقيت والأسلوب اللذين يحققان المصلحة الوطنية.

 

لهذا تبدو الحكمة والروية والنَّفَس الطويل عناصر أصيلة في إدارة المملكة للمشهد، فليس كل استفزاز يستدعي قرارًا متعجلًا، وليس كل حدث يفرض تغيير المسار،والدولة الواثقة تعرف إمكاناتها، وتقرأ ما وراء الحدث، وتحسب نتائجه السياسية والأمنية والاقتصادية، وتضع أمن الوطن ومصالحه العليا فوق الرغبة في تحقيق انتصار إعلامي سريع.

 

القوة الحقيقية ليست في القدرة على الرد فحسب، بل في امتلاك القرار الذي يحدد متى يكون الرد، وكيف يكون، وبأي طريقة تخدم مصالح الوطن، وهنا تقف القوات المسلحة السعودية، ومعها مختلف القطاعات الأمنية والعسكرية، سياجًا للوطن ودرعًا لمقدراته، غير أنها تعمل ضمن منظومة سياسية واقتصادية وأمنية متكاملة، تقف خلفها قيادة تدير المشهد، وشعب يدرك أن حماية الوطن مسؤولية وانتماء قبل أن تكون شعارات.

 

المواطن السعودي الذي يبني مشروعًا، والطبيب الذي يؤدي رسالته، والمعلم الذي يبني الأجيال، والمهندس الذي يشارك في مسيرة التنمية، والجندي الذي يحرس الحدود؛ جميعهم يتحركون في مسارات مختلفة، لكنها تلتقي عند غاية واحدة: بناء وطن قوي والدفاع عن مكتسباته.

 

هذه إحدى معادلات السعودية الحديثة: يد تبني، ويد تحمي، فلا تجعل المملكة اضطرابات المنطقة ذريعة لتعطيل مشروعها التنموي، فبينما تتعامل مع ملفات أمنية وسياسية معقدة، تستمر المشروعات، وتتطور البنية التحتية، وتنمو قطاعات الاقتصاد والسياحة والثقافة والتقنية، ويتواصل الاستثمار في الإنسان السعودي.

 

هنا تتجلى كفاءة إدارة الدولة؛ فهي لا تسمح للأزمة بأن تستولي على أجندتها، ولا تمنح الأحداث الخارجية حق تحديد أولوياتها،انها تعرف ما تريد، ولذلك تواصل السير نحوه.

 

ياتي خلف القرارات الكبرى عقول تدرس وتحلل وتستشرف، ومؤسسات راكمت خبرات طويلة في التعامل مع أزمات المنطقة والعالم، ومن ثم، تقرأ السياسة السعودية المشهد كاملًا، لا لحظته المنفردة؛ لأن القرارات الاستراتيجية لا تُقاس بما تحققه في الساعات الأولى، بل بما تحميه وتبنيه خلال السنوات المقبلة.

 

والمملكة، وهي تبني قوتها وتحمي أمنها، لا تتخلى عن دورها الإنساني والسياسي والدولي،فهي تمد يد الخير، وتساند المحتاج، وتسهم في جهود الإغاثة والتنمية، وتدعم الحوار والحلول السياسية، وتسعى إلى استقرار المنطقة وحماية المصالح المشتركة.

فالدولة القوية ليست التي تمتلك أدوات الدفاع فحسب، وإنما التي تستطيع أن تبني وتحمي وتؤثر، وأن تجعل قوتها عنصر استقرار لا مصدر فوضى.

ولعل أبلغ رسالة تقدمها السعودية في أوقات التوتر لا تكمن في الكلمات، وإنما في المشهد اليومي نفسه: الحياة مستمرة، والمشروعات والعمل والتعليم والأسواق والفعاليات تمضي، وفي الوقت ذاته تبقى الدولة يقظة، وقواتها وأجهزتها الأمنية مستعدة، وقيادتها تتابع وتقرر وتدير مصالح الوطن بحكمة.

ذلك الهدوء ليس غيابًا عن الأحداث، بل أحد مظاهر السيطرة عليها. وتلك الطمأنينة ليست مصادفة، بل ثمرة دولة بنت مؤسساتها، واستثمرت في إنسانها، وعززت قدراتها.

هذه هي السعودية التي نفخر بها: دولة تبني ولا تتوقف، وتحمي ولا تتردد، وتساعد ولا تمنّ، وتدير التحديات بعقل الدولة لا بانفعال اللحظة. وخلف قيادتها يقف شعب أبيّ يعرف وطنه، ويثق بقيادته، ويشارك في بنائه، ويدافع عن مكتسباته، وكلما ازدادت المنطقة اضطرابًا، ازدادت قيمة الدولة التي تعرف طريقها، والسعودية، بعون الله، تعرف طريقها جيدًا؛ تمضي بثبات، وتترك للإنجاز أن يتحدث عنها، وللنجاح أن يكون حليف خطواتها.