الكاتب :
التاريخ: ١١ سبتمبر-٢٠٢٦       3355

النهار السعوديةتقرير خاص

لم يعد السؤال داخل المؤسسات الإعلامية: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي أم لا؟ بل أصبح أكثر عمقًا: أين نستخدمه، ومن يتحمل مسؤولية مخرجاته، وكيف نحافظ على قيمة الصحفي ومصداقية المؤسسة في عالم تتولى فيه الخوارزميات جانبًا متزايدًا من إنتاج المعلومات والوصول إليها؟

 

وتكشف مجموعة من الدراسات والتقارير المهنية الحديثة، التي يرصدها موجز النهار للذكاء الاصطناعي والإعلام، أن الصناعة تدخل مرحلة جديدة تتجاوز الانبهار بالأدوات إلى إعادة بناء غرف الأخبار نفسها؛ من مهارات الصحفيين وسير العمل، إلى الأرشيف والتوزيع وعلاقة الجمهور بالخبر.

 

غرف الأخبار تستخدم الذكاء الاصطناعي.. لكنها لا تمنحه ثقتها كاملة

 

تكشف خلاصة تقرير حالة غرف الأخبار الآسيوية 2025، الصادر عن WAN-IFRA بالتعاون مع مركز IN-cube في جامعة نانيانغ التقنية، مفارقة لافتة: الاستخدام يتوسع، بينما تبقى الثقة محدودة.

 

فبحسب التقرير، تسمح مؤسسات نحو ثلثي المشاركين باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، لكن الصحفيين يوجهونه أساسًا إلى الأعمال المساندة؛ كالتدقيق والتفريغ والبحث والترجمة والتلخيص، فيما لا يزال استخدامه لإنتاج النصوص الصحفية محدودًا.

 

والرقم الأكثر دلالة أن 65% من المشاركين لا يثقون بجودة مخرجاته، رغم إقرار كثير منهم بفائدته في رفع الكفاءة وتوفير الوقت.

 

وهنا تظهر رسالة مهمة لرؤساء التحرير: القيمة الأقرب والأكثر أمانًا للذكاء الاصطناعي ليست أن يحل محل الصحفي، وإنما أن يحرره من الأعمال الروتينية ليمنحه وقتًا أكبر للتحقق والتحليل وصناعة القصة.

 

كما يكشف التقرير فجوة أخرى؛ فالتوسع في الاستخدام أسرع من بناء قواعد الحوكمة والأخلاقيات داخل المؤسسات، ما يجعل وضع سياسات تحريرية واضحة ضرورة لا خيارًا.

 

ليس المهم «أفضل نموذج».. بل الأفضل لصحيفتك

 

وتدفع ورقة بحثية حديثة تناولت تكييف النماذج اللغوية مع الصحافة السويدية النقاش خطوة أخرى إلى الأمام.

 

فالنتائج تشير إلى أن تدريب النموذج على ملايين المواد الصحفية يمكن أن يحسن قدرته على التعامل مع المعرفة واللغة الخاصة بالمجال، لكنه لا يجعله تلقائيًا أفضل في كل مهمة تحريرية.

 

والأهم أن الاختبارات التقنية العامة قد لا تكشف مستوى أداء النموذج الحقيقي داخل غرفة الأخبار.

 

وهذا يغيّر السؤال الذي ينبغي أن تطرحه المؤسسة الإعلامية عند شراء أو تطوير نظام ذكاء اصطناعي. فبدلًا من السؤال: «ما أقوى نموذج في السوق؟»، يصبح السؤال: «أي نموذج يعمل بصورة أفضل مع أرشيفنا ولغتنا وسياساتنا ومهام محررينا؟»

 

وبالنسبة للمؤسسات الإعلامية العربية، تفتح النتيجة مجالًا مهمًا لبناء مساعدين تحريريين مرتبطين بالأرشيف الموثق للمؤسسة، مع اختبارات خاصة لدقة الأسماء والتواريخ والأرقام والعناوين والفصل بين الخبر والرأي.

 

الجمهور لا يبحث عن الخبر فقط.. بل يسأل الذكاء الاصطناعي عنه

 

أما التحول الأكثر تأثيرًا على مستقبل توزيع الأخبار، فيأتي من الجمهور نفسه.

 

فنتائج مشروع بحثي أسترالي يتابع عادات الأخبار لدى الناشئة تشير إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت قناة فعلية للحصول على المعلومات الإخبارية لدى الأجيال الأصغر سنًا، وبلغ استخدام هذه الأدوات للسؤال عن الأخبار «أحيانًا أو كثيرًا» 28% لدى الفئة من 10 إلى 12 عامًا، و41% لدى الفئة من 13 إلى 17 عامًا.

 

وهذا التحول يتجاوز مجرد ظهور منصة جديدة.

 

فعلى مدى سنوات، كانت المؤسسات الصحفية تخشى انتقال القارئ من صفحاتها الرئيسية إلى شبكات التواصل الاجتماعي، أما الآن فيظهر وسيط أكثر تعقيدًا: المستخدم لا يذهب إلى الخبر أصلًا، بل يسأل النظام الذكي، والنظام يختار المصادر ويختصرها ويعيد صياغتها ويقدم له الإجابة.

 

وهنا تنتقل المنافسة من الحصول على «النقرة» إلى شيء أكبر: أن تصبح المؤسسة الصحفية مصدرًا موثوقًا تعتمد عليه إجابات الذكاء الاصطناعي.

 

وهذا يعيد الاعتبار بقوة إلى الصحافة الأصلية؛ الخبر الميداني، والمقابلة الخاصة، والوثيقة، والتحقيق، والبيانات، والمعلومة الحصرية، والتفسير الذي يضيف سياقًا لا توفره الأخبار المتداولة.

 

كنز المؤسسات الإعلامية قد يكون في أرشيفها

 

وفي اتجاه مختلف، تكشف تجربة رويترز وITN أن إحدى أكبر فرص الذكاء الاصطناعي في الصحافة قد لا تكون كتابة الأخبار الجديدة، بل إعادة اكتشاف الأخبار القديمة.

 

فالمشروع المعلن في سبتمبر يتيح عقودًا من الأرشيف المرئي عبر Reuters Connect، مع الاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي لإثراء البيانات الوصفية، والتفريغ النصي، ووصف اللقطات والترجمة، بالتوازي مع رقمنة آلاف الساعات الإضافية من المواد التاريخية.

 

والقيمة هنا تتجاوز الرقمنة؛ إذ يتحول الأرشيف من مستودع يحتاج إلى ساعات من البحث اليدوي إلى قاعدة معرفة ذكية قابلة للبحث والاستدعاء وإعادة الاستخدام في صناعة القصص والتقارير والوثائقيات.

 

وهذه تجربة تستحق اهتمام الصحافة العربية تحديدًا؛ فالمؤسسات التي تمتلك أرشيفًا يعود لعقود قد تكون جالسة على ثروة تحريرية لم تستثمر بعد.

 

وقد يصبح بناء أرشيف ذكي، يفهرس الأشخاص والأماكن والأحداث والتواريخ والصور والفيديوهات ويتيح البحث فيها باللغة الطبيعية، أكثر قيمة للمؤسسة من الاستثمار المبكر في «كاتب آلي».

 

الذكاء الاصطناعي لا يتحمل المسؤولية.. الصحفي يفعل

 

وفي الجانب الأخلاقي، يضع مشروع تحديث مدونة أخلاقيات جمعية الصحفيين المحترفين SPJ قاعدة شديدة الأهمية للمرحلة المقبلة: الأداة قد تتغير، لكن المسؤولية لا تنتقل من الإنسان إليها.

 

فالمقترحات الجديدة تركز على التحقق من أصل المحتوى وأصالته، ومواجهة التضليل والمواد المصطنعة، مع تأكيد مسؤولية الصحفي عن العمل الذي ينتجه مهما كانت التقنية المستخدمة في الوصول إليه.

 

وهذا المبدأ ينسف مسبقًا مبررات من نوع: «النظام أخطأ»، أو «الذكاء الاصطناعي هو الذي كتب المعلومة».

 

فعند النشر، ينبغي أن يبقى هناك إنسان يمكن الإجابة بوضوح عن ثلاثة أسئلة بشأنه: من تحقق؟ ومن حرر؟ ومن أجاز النشر؟

 

ومن هنا لا تكفي عبارة عامة مثل «استُخدم الذكاء الاصطناعي في إعداد المادة»، بل تحتاج المؤسسات إلى تحديد مواضع استخدامه، وحدود تدخله، وآليات التحقق من مخرجاته.

 

من دورات «البرومبت» إلى حل مشكلات غرفة الأخبار

 

وتشير برامج Newsroom AI Catalyst التابعة لـWAN-IFRA إلى تطور آخر في طريقة تعامل المؤسسات مع التقنية؛ إذ تنتقل التجربة من دورات تعريف الصحفيين بأدوات الذكاء الاصطناعي إلى بناء نماذج وحلول مرتبطة بمشكلات تحريرية وتجارية حقيقية.

 

وهذا التحول ربما يكون الأكثر نضجًا: المؤسسة لا تحتاج إلى تعليم كل صحفي عشرات الأوامر للذكاء الاصطناعي بقدر حاجتها إلى تحديد مشكلة حقيقية، ثم استخدام التقنية لحلها وقياس النتيجة.

 

قد تكون المشكلة بطء البحث في الأرشيف، أو تفريغ المقابلات، أو اكتشاف الأخبار داخل البيانات، أو التحقق، أو تحويل المحتوى بين النص والصوت والفيديو، أو فهم اهتمامات الجمهور، أو تطوير منتجات جديدة تحقق إيرادات.

 

«النهار»: صحافة أفضل في عالم ذكي

 

والخلاصة التي تقدمها هذه المؤشرات مجتمعة أن مستقبل الصحافة لن تحسمه المؤسسة التي تستخدم أكبر عدد من أدوات الذكاء الاصطناعي، بل المؤسسة التي تعرف أين تستخدمها وأين تمنعها، وكيف تقيس أثرها، ومن يتحمل مسؤوليتها.

 

وتبرز أمام غرف الأخبار أربع أولويات: استخدام الذكاء الاصطناعي أولًا في المهام المساندة، واختبار النماذج وفق المعايير التحريرية الخاصة بكل مؤسسة، وتحويل الأرشيف والمحتوى الأصلي إلى أصول ذكية قابلة للاستثمار، والإبقاء على المسؤولية البشرية عن المادة الصحفية غير قابلة للتفويض.

 

أما التحول الذي يستحق المراقبة عن كثب فهو انتقال الجمهور من «البحث عن الخبر» إلى «سؤال الذكاء الاصطناعي عن الخبر».

 

وفي عالم يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي تلخيص ملايين الكلمات خلال ثوانٍ، ترتفع ـ ولا تنخفض ـ قيمة الأشياء التي لا يستطيع اختراعها بأمان: المصدر الأول، والصحفي في الميدان، والمقابلة الحصرية، والوثيقة، والتحقق، والسياق، والثقة.

 

وهنا ربما تتحدد المعادلة الجديدة للمهنة: كلما أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة على إنتاج المحتوى، أصبحت الصحافة المهنية أكثر حاجة إلى إثبات لماذا تستحق أن يثق بها الإنسان.