الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٨ سبتمبر-٢٠٢٦       3905

بقلم ـ عبدالله الكناني 
أي مؤسسة تريد مواكبة العمل *بـ الذكاء الاصطناعي* تظل عاجزة عن تحويله إلى قيمة حقيقية عندما لا يبادر قائدها إلى فهم إمكاناته وحدوده، ولا يمتلك العاملون فيها المهارات اللازمة لاستخدامه بكفاءة وأمان. 
فالأدوات متاحة للجميع، لكن الفرق كبير بين مؤسسة تشتري اشتراكات تقنية، وأخرى تعيد بناء أعمالها وقراراتها حول قدرة جديدة.

تكشف الأرقام هذه الفجوة بوضوح. ففي مسح ماكنزي العالمي لعام 2026⁠، يقول 80% من المشاركين إن *الذكاء الاصطناعي* يحسّن إنتاجيتهم الفردية، لكن 37% فقط ينسبون إليه أثرًا في الأرباح التشغيلية لمؤسساتهم، ولا تتجاوز المؤسسات عالية الأداء 6%. 
والسبب أن سرعة كتابة رسالة أو تلخيص تقرير لا تتحول تلقائيًا إلى قيمة مؤسسية.

وتؤكد مجموعة بوسطن الاستشارية أن المؤسسات المتقدمة توجه قرابة 70% من جهد التحول إلى الإنسان والعمليات، كما يورد تقرير مؤسسة RAND⁠ أن أكثر من 80% من مشروعات  الذكاء الاصطناعي  تفشل بحسب بعض التقديرات، وأن أبرز الأسباب تبدأ بسوء تحديد المشكلة، وضعف البيانات، والانشغال بالتقنية الجديدة بدل احتياجات المستخدم. وهذه إخفاقات قيادية وتنظيمية قبل أن تكون تقنية.

*القائد* ليس مطالبًا بأن يصبح مبرمجًا، لكنه مطالب بفهم ما يكفي لطرح الأسئلة الصحيحة، ما المشكلة التي نحلها، وما البيانات المسموح باستخدامها، ومن يتحقق من المخرجات، ومن يتحمل المسؤولية، وكيف نقيس التحسن في الوقت أو التكلفة أو الجودة.

*وتربط دول ناجحة بين الرؤية وبناء المهارات*. 
فـ *في السعودية* تتجاوز مبادرة *سماي* هدف تأهيل مليون مواطن ومواطنة⁠، ويمثل الموظفون 70% من المشاركين. 
وترصد سنغافورة أكثر من مليار دولار سنغافوري للحوسبة والمواهب والصناعة، وتستهدف رفع عدد الممارسين إلى 15 ألفًا. 
وفي 2026 تربط الإمارات تقييم أداء القيادات الحكومية بقدرتها وسرعتها في تبني الذكاء الاصطناعي، مع تدريب مستمر للموظفين.

وتقدم الشركات الدرس نفسه، ويدرّب بنك DBS أكثر من تسعة آلاف موظف، ويلزمهم بإطار مسؤول لاستخدام البيانات، ويصل إلى 370 حالة استخدام و1,500 نموذج، ويحقق أثرًا اقتصاديًا يصل إلى 750 مليون دولار سنغافوري وفق بيانات 2024⁠. 
وفي (مورغان ستانلي) يقود ربط المساعد الذكي بمصادر المؤسسة واختبار جودته إلى استخدامه من أكثر من 98% من فرق إدارة الثروات.

في *صحيفة النهار السعودية*، لا نتعامل مع *الذكاء الاصطناعي* بوصفه بديلًا للصحفي، بل أداة تعزز كفاءته. 
وتدخل التقنية في إعداد المسودات الأولية، والمراجعة اللغوية، وتلخيص المصادر، واقتراح العناوين، وإنتاج المواجيز الإخبارية اليومية والأسبوعية، ودعم التصاميم والمواد البصرية.

*لكننا لا نقدم السرعة على المصداقية*، فكل مادة تظل خاضعة للمراجعة البشرية، والتحقق من المصدر والتاريخ والاسم الرسمي والصورة الصحيحة، واستبعاد الخبر القديم أو غير الموثوق. 
كما تعتمد *الصحيفة* عشر قواعد داخلية لاستخدام الذكاء الاصطناعي، تؤكد أن المسؤولية تبقى على الكاتب والمحرر والمصمم، وأن القرار التحريري لا تفوضه المؤسسة إلى الخوارزمية.

وتكشف التجربة أن نجاح الأداة يرتبط بوضوح توجيه القيادة وتكرار التدريب والتصحيح، فحين تتحدد الهوية التحريرية ومعايير الجودة، يصبح  الذكاء الاصطناعي  أسرع في خدمتها، وحين تغيب المعايير، يضاعف الأخطاء بالسرعة نفسها.

ولا يقتصر الهدف على زيادة كمية المحتوى فقط، بل يشمل تحسين انتظام الإنتاج، وتسريع الوصول إلى الصيغة الأولى، وإتاحة وقت أكبر للمحرر كي يراجع المعنى والسياق، ويختبر سلامة المعلومة، ويحافظ على صوت الصحيفة وهويتها المهنية في مختلف المنصات الرقمية على نحو متسق.

*ولا ينبغي لأي مجلس إدارة أن يبدأ بسؤال اختيار المنصة، بل عليه أن يسأل عن القيمة التي نريد خلقها، والعلمية التي نعيد تصميمها، والمهارات التي تنقص فريقنا فعليًا*. 
وتبدأ المؤسسة بحالات استخدام محددة، وخط أساس واضح، وتدريب عملي، ومراجعة بشرية، وقياس معلن للنتائج.

*الذكاء الاصطناعي* لا يصلح الإدارة الضعيفة تلقائيًا، بل قد يجعل فوضاها أسرع، أما حين يكون القائد أول المتعلمين، والعاملون شركاء مؤهلين، والسياسات واضحة، فإنه ينتقل من محاولات متناثرة إلى أثر مؤسسي مستدام.