بقلم - د. نجوى الكحلوت
في الثامن من سبتمبر من كل عام، يتوقف العالم عند فكرة تبدو بديهية: أن يقرأ الإنسان، وأن يكتب. اليوم العالمي لمحو الأمية هو تذكير بأن القراءة عتبة الوجود الإنساني الكامل، وأن من لا يقرأ يظل واقفاً خارج أبواب كثيرة، وإن بدا حاضراً بجسده.
أول كلمة نزلت من السماء على قلب نبينا محمد ﷺ كانت أمراً بالقراءة: "اقرأ". وحين ارتبك الوحي في نفسه وقال "ما أنا بقارئ"، جاء الجواب فعلاً لا قولاً: تكرار الأمر، ثم تعليم الإنسان بالقلم، ثم تعليمه ما لم يكن يعلم. فالقراءة في أول وحيٍ سماوي هو رسْمٌ لمعالمِ طريقِ معرفةٍ لم تكن موجودة.
هذه الآيات تستحق التأمل: "اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ" العلق (3-5)، لم يُقل "اقرأ لتعرف" أو "اقرأ لتتفوق"، بل جاء الأمر مقروناً بتحول في الكينونة ذاتها، للانتقال -بعونٍ إلاهيّ- من حالة الظلمة (الجهل) إلى حالة النور (العلم) . فالإنسان الذي لا يقرأ ولا يسعى للتعلم ورفع الجهل عنه، ليس ناقص المعرفة فحسب، بل منقوص الإنسانية والعبودية لخالقه، ومحبوس داخل حدود ما تلمسه يده وتراه عينه المجردة، بينما يفتح له العلم والقراءة أبواب ما وراء المحسوس: التاريخ الذي لم يعشه، والعقول التي لم يلتق بها، وآفاق أُخر.
ومحو الأمية، حين نتأمله على هذا النحو، لا نجده مجرد تعليم القراءة والكتابة فقط، هو دعوة أشمل إلى التعلّم المستمر، وإلى بذل الأسباب، أفراداً وجماعات ومؤسسات تعليمية.
مملكتنا الحبيبة، بحمد الله، سبقت في هذا الميدان خطوات واسعة، فقد أطلقت برامج لمحو الأمية في القرى والهجر، وأدخلت التعليم المستمر مساراً أساسياً في خططها، مع مدارس متنقلة استهدفت المناطق النائية، حتى ارتفعت نسبة القراءة والكتابة إلى نحو 98%، تجسيداً لرؤية 2030 التي جعلت من التعليم ركيزة لتمكين الإنسان.
عالمٌ بلا أمية، هذا أملٌ مؤسَّس على تجربة إنسانية واقعية، كل نهضة كبرى في تاريخ الأمم بدأت من محو أمية، ومن انتشار الكتاب، ومن تحول القراءة من امتياز نخبة إلى حق عامة. فحين تقرأ أمة بأكملها، تُعيد كتابة نفسها من جديد؛ تصنع تاريخها وتراكم تجاربها، ولا تبدأ من الصفر في كل جيل. تواصل سعيها وتجني ثمرة تقدمها والتزامها بالقراءة والكتابة والتعليم.
إذن، في هذا اليوم العالمي، نجدد عهداً: أن يبقى الأمل في عالمٍ بلا أمية حاضراً في كل خطة تعليمية وكل مبادرة مجتمعية وكل سعي فردي، ولنتذكر أن أول كلمة في ديننا لم تكن دعوة إلى مهارة، بل دعوة إلى أن يصير الإنسان، بالقراءة، إنساناً آخرَ.