الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ أغسطس-٢٠٢٦       2145

وائل العتيبي ـ النهار

في الملاكمة، لا تُحسم المواجهة بالقوة وحدها؛ فالسرعة، والانضباط، والقدرة على قراءة الخصم، واتخاذ القرار في اللحظة المناسبة، عناصر قد تصنع الفارق بين قفازٍ وآخر. وربما تختصر هذه القاعدة قصة الملاكمة السعودية نفسها؛ رحلة امتدت أكثر من أربعة عقود، انتقلت خلالها اللعبة من حضور محدود إلى منظومة رياضية آخذة في الاتساع، تضم أندية ومنافسات ومواهب رجالية ونسائية، وتبحث اليوم عن حضور أكثر رسوخًا على منصات التتويج الدولية.

وفي اليوم العالمي للملاكمة، الذي يصادف 27 أغسطس، تبرز التجربة السعودية بوصفها قصة تراكم رياضي، بدأت ملامحها المؤسسية عام 1980 ضمن منظومة ألعاب القوة، قبل أن تمر بمراحل تنظيمية انتهت بفصل الملاكمة عن المصارعة في يوليو 2013، وتأسيس اتحاد مستقل للعبة. ومنذ ذلك الوقت، أخذت البنية التنافسية في التطور، واتسعت دائرة الممارسة، وانتقلت الملاكمة تدريجيًا من مجرد نشاط داخل الأندية إلى منظومة تشمل البطولات واكتشاف المواهب والتأهيل والاحتكاك الدولي.

وفي الذاكرة الآسيوية، تظل دورة ألعاب هيروشيما 1994 إحدى المحطات المبكرة اللافتة، حين أحرز يوسف هوساوي فضية وزن 91 كجم، ونال جمعان الصغير برونزية وزن 60 كجم، ليضع الملاكم السعودي بصمته على منصة آسيوية، ويؤكد أن الموهبة المحلية قادرة على تجاوز حدود المنافسة الداخلية.

وخلال السنوات اللاحقة، اتسع حضور اللعبة مع تطور الأندية والبطولات وارتفاع قاعدة الممارسين، بالتوازي مع دخول المرأة السعودية إلى الحلبة، واستضافة المملكة نزالات عالمية كبرى في الدرعية والرياض وجدة. وأسهمت هذه الاستضافات في تحويل الملاكمة إلى جزء أكثر حضورًا في المشهد الرياضي والجماهيري، وربط الجمهور السعودي بأبرز نجوم اللعبة عالميًا، ووفرت في الوقت نفسه بيئة احتكاك مختلفة للملاكمين السعوديين.

وفي هذا السياق، برزت رؤية الأمير عبدالعزيز بن تركي الفيصل، وزير الرياضة ورئيس اللجنة الأولمبية والبارالمبية السعودية، الذي أكد خلال الإعلان عن نزال الدرعية التاريخي عام 2019 أن الرياضة «وسيلة تواصل مع العالم أجمع ورسالة محبة من المملكة للعالم»، في تأكيد للدور الذي يمكن أن تؤديه الرياضة في تعزيز حضور المملكة والتواصل مع الجمهور العالمي.

ومع انتخاب تركي بن عبدالمحسن آل الشيخ رئيسًا لمجلس إدارة الاتحاد السعودي للملاكمة للدورة 2024–2028 في أبريل 2025، دخلت اللعبة مرحلة جديدة تتجه فيها الجهود إلى تعزيز المنافسة المحلية، وتوسيع قاعدة المواهب، ورفع مستوى الاحتكاك الدولي، وربط الحضور العالمي الذي تحظى به المملكة بمسار أكثر وضوحًا لصناعة الملاكم السعودي.

وكانت دورة الألعاب السعودية إحدى أبرز المنصات التي أسهمت في هذا المسار، بعدما أتاحت للملاكمين والملاكمات فرصة المنافسة في مختلف الأوزان، وكشفت عن أسماء جديدة يمكن البناء عليها. وفي نسخة 2023، حققت سارة الشهراني ذهبية وزن 50 كجم، وماجدة الضالعي ذهبية وزن 57 كجم، فيما واصلت أسماء مثل رغد النعيمي وهديل عاشور حضورها في المنافسات، بما يعكس اتساع دائرة المشاركة النسائية وتحول الملاكمة إلى خيار رياضي متاح أمام المواهب السعودية من الجنسين.

وفي 2026، ظهرت مؤشرات إضافية على اتساع قاعدة المنافسة؛ إذ شارك في بطولة المنطقة الغربية والجنوبية للنخبة 88 لاعبًا ولاعبة يمثلون 15 ناديًا، فيما تجاوز عدد المشاركين في الأدوار التمهيدية لبطولة «حزام المملكة» 429 لاعبًا ولاعبة، قبل أن تختتم المنافسات بتتويج أبطال وبطلات في 20 وزنًا. وهي أرقام لا تعكس حجم المشاركة فحسب، بل تكشف عن انتقال المنافسة المحلية إلى مسار أكثر انتظامًا في اكتشاف الموهبة واختبارها ومنحها فرصًا متكررة للتطور.

ثم جاءت بطولة براغا المفتوحة للملاكمة 2026 في البرتغال لتمنح هذا المسار إحدى أبرز علاماته؛ إذ عاد المنتخب السعودي بـ17 ميدالية، بينها 7 ذهبيات و5 فضيات و5 برونزيات، في أكبر حصيلة ميداليات يحققها الاتحاد السعودي للملاكمة في بطولة دولية واحدة، إلى جانب تسجيل أول ذهبيات دولية في تاريخ الاتحاد.

وحملت الذهبيات أسماء نواف العنزي، وعبدالرحمن الحميدان، وفارس المالكي، وفراس الصبحي، ونواف عواجي، وعبدالرحمن صادق، وريفال المحيسن؛ وهي حصيلة تتجاوز قيمة الميداليات ذاتها، لأنها تشير إلى انتقال الملاكمة السعودية من مرحلة المشاركة واكتساب الخبرة إلى المنافسة المباشرة على الذهب في المحافل الدولية.

وبين فضيتي هوساوي وبرونزية الصغير في هيروشيما 1994، وذهبيات براغا السبع في 2026، تمتد 32 عامًا من العمل والتراكم. تغيرت خلالها البنية المؤسسية، واتسعت قاعدة الممارسة، وتطورت البطولات، ودخلت المرأة الحلبة، وتعزز الاحتكاك الدولي، وأصبحت المملكة محطة بارزة في استضافة النزالات العالمية.

وفي اليوم العالمي للملاكمة، لم يعد السؤال السعودي هو ما إذا كانت الملاكمة قادرة على إثبات وجودها؛ فقد أثبتت ذلك. السؤال الأكثر أهمية الآن هو: كيف تتحول هذه القاعدة المتنامية من المواهب إلى أبطال قادرين على المنافسة المستمرة في آسيا والعالم؟

فالمرحلة المقبلة تتطلب أن يصبح الطريق من النادي إلى المنتخب، ومن المنافسة المحلية إلى المنصة الدولية، مسارًا واضحًا ومستدامًا؛ بحيث لا تكون الميدالية الدولية إنجازًا عابرًا، بل حلقة في سلسلة طويلة من صناعة الأبطال.

ومن هيروشيما إلى براغا، تبدو الحكاية السعودية وقد انتقلت من طرق أبواب العالمية إلى امتلاك مفاتيحها؛ وما بين القفاز الأول والذهب الدولي، تتشكل ملامح جيل جديد قد تكون الحلبة بالنسبة إليه بداية الطريق، لا نهايته.