الكاتب :
التاريخ: ١٦ أغسطس-٢٠٢٦       4070

 

بقلم: عبدالله الكناني

معظمنا قرأ، أو اطّلع، أو سمع عن كتاب «الوزير المرافق» للأديب والشاعر والأكاديمي والوزير والسفير والمؤلف الدكتور غازي القصيبي - رحمه الله -؛ ذلك المبدع الحكيم الذي لم يمر بموقع من مواقع المسؤولية، أو موقف من مواقف الحياة، إلا وترك فيه أثرًا، ولم يغادر منصبًا إلا وبقيت وراءه تجربة تستحق أن تُروى، ودرس يستحق أن يُقرأ.

قصص واقعية رواها بأسلوب الأديب الحكيم والمربي الحصيف، وما أجمل ما قصّ وروى من تجاربه داخل المملكة وخارجها؛ فقد كان يكتب عن المسؤولية والناس والمواقف، لا ليصنع حول ذاته هالة، وإنما ليضع أمام القارئ خلاصة تجربة وعبرة حياة.

ولذلك بقي الأثر بعد رحيل صاحبه؛ لأن القيمة كانت في العمل، لا في الضجيج المصاحب له.

ومن هنا خطر لي مصطلح «الإعلامي المرافق»، ولكن بصورة مختلفة تمامًا عن معناه المهني المعروف.

فالإعلامي المرافق في العمل الصحفي الحقيقي قد يرافق مسؤولًا، أو وفدًا، أو ضيفًا، أو يغطي حدثًا؛ لينقل الخبر، ويوثق المعلومة، ويسأل ويحلل، ويضع الجمهور أمام صورة أمينة لما يجري.

أما ما نشاهده في هذا الزمن أحيانًا فهو نموذج آخر؛ شخص ينتسب إلى الإعلام بوثيقة حصل عليها بناءً على تزكية، أو يمارس التصوير، أو الكتابة، أو يقدم نفسه صحفيًا لمجرد وجوده في مجموعة «واتساب»، دون تمحيص أو اختبار مهني حقيقي، ودون تأهيل منهجي أو مؤهل في المجال الإعلامي من جهة معتمدة.

ثم يقدم نفسه إعلاميًا، ويتحول إلى مرافق دائم لصاحب مال أو وجاهة أو حضور اجتماعي؛ يرصد حركاته وسكناته، وابتسامته وقيامه وقعوده، ويلاحق مناسباته، ويحصي الألقاب التي تُهدى إليه من هنا وهناك، ثم يقدم كل ذلك للناس وكأنه خبر ذو قيمة عامة.

وهنا لا يعود الإعلام ناقلًا للحدث، بل يصبح مصنعًا للوجاهة.

المشكلة ليست في أن يحتفي الإنسان بصديقه، أو يكرم المجتمع أحد أفراده، أو يفرح الناس بمنزل جديد، أو زواج، أو نجاح، أو مناسبة اجتماعية؛ فهذه من طبائع مجتمعنا الجميلة، والتكريم الحقيقي قيمة نبيلة حين يذهب إلى من يستحقه، وإنما المشكلة في أن يتحول التكريم من تقدير للعطاء والإنجاز وخدمة الوطن والمجتمع إلى صناعة للألقاب وتضخيم للأشخاص.

وتبدأ الظاهرة حين تتحول المناسبة الشخصية البسيطة إلى مشهد استعراضي متكامل، وكأننا أمام حدث وطني كبير.

يسكن أحدهم منزلًا جديدًا، وهو أمر ندعو له فيه بالبركة، فإذا بالمناسبة تتحول إلى حفل خطابي، وقائمة مدعوين، وأعيان ووجهاء، وقصائد وشيلات، وألقاب تسبق الاسم وتلحقه، وكلمات ثناء متبادلة، وكاميرات توثق الداخل والخارج؛ ثم تبدأ المواد الإعلامية في الانتشار، وكأن المجتمع مطالب بأن يتابع تفاصيل المناسبة لحظة بلحظة.

وقد يصل الأمر إلى قصائد وشيلات جاهزة أو «معلبة»، تُبدّل فيها الأسماء بحسب صاحب المناسبة، وإلى عبارات مدح لا ضابط لها، حتى يصبح المشهد في بعض حالاته كيلًا بلا وزن، ومدحًا بلا معنى، وضجيجًا بلا طعم أو لون أو قيمة.

وهذه الظاهرة ليست بسيطة كما تبدو.

فهي، مع التكرار، تصنع مفهومًا مشوهًا للنجاح الاجتماعي؛ فينشأ لدى البعض انطباع بأن المكانة ليست فيما أنجزه الإنسان، وإنما في عدد من حضروا حفلته، وعدد الألقاب التي سبقت اسمه، وكم قصيدة قيلت فيه، وكم إعلاميًا أحاط به، وكم مقطعًا انتشر عنه.

وبذلك ننتقل تدريجيًا من مجتمع يقدّر الإنجاز إلى مجتمع قد ينبهر بالمظهر.

والأخطر حين يدخل المال على الخط، ويصبح وسيلة للتنافس على مزيد من الألقاب الفخمة والفخرية، أو صناعة صور من الكرم والوجاهة الاجتماعية تتجاوز حقيقتها وحدودها الطبيعية.

فإذا أصبح الإعلامي يتقاضى مقابلًا ليصنع صورة غير حقيقية عن شخص، أو يضخم مناسبة خاصة ويقدمها في قالب صحفي يوهم الجمهور بأهميتها العامة، فنحن لم نعد أمام مجاملة اجتماعية فحسب، بل أمام قضية تمس أخلاقيات المهنة ومصداقية الإعلام.

ليس عيبًا أن يكون للإعلام نشاط تجاري، وليس كل محتوى مدفوع مرفوضًا، ولكن من حق المتلقي أن يعرف متى يقرأ مادة صحفية، ومتى يشاهد إعلانًا أو محتوى ترويجيًا.

أما أن تختلط الحدود، فيُباع الثناء في ثوب الخبر، وتُشترى الوجاهة في هيئة تقرير صحفي، فهنا تتضرر الثقة التي تمثل رأس مال الإعلام الحقيقي.

وكثرة الألقاب والمبالغة في المدائح ليستا مجرد مسألة لغوية عابرة؛ فحين تتكرر الأوصاف الكبيرة على كل شخص وفي كل مناسبة، تفقد الكلمات قيمتها، وتصبح الألقاب وسيلة لصناعة مكانة لا يسندها بالضرورة عمل أو إنجاز.

وهنا نحتاج إلى التفريق بوضوح بين التكريم والاستعراض.

أن نكرم عالمًا، أو مبدعًا، أو صاحب مبادرة، أو متطوعًا، أو رجلًا أو امرأة قدما للمجتمع عملًا يستحق الاحتفاء، فذلك سلوك حضاري يحفز الآخرين، ويؤكد أن المجتمع يعرف لأصحاب العطاء قدرهم، على أن يتم ذلك وفق الأطر والضوابط المنظمة، وبما يحفظ للتكريم قيمته ومعناه، ويحد من المبالغة فيه.

أما أن يصبح كل حضور بطولة، وكل مناسبة إنجازًا، وكل صاحب مال «رمزًا»، وكل مستضيف «قامة»، وكل مأدبة «حدثًا استثنائيًا»، فإننا نفرغ الكلمات من معانيها؛ حتى إذا جاء صاحب الإنجاز الحقيقي لم نجد له مفردة لم نستهلكها من قبل.

وهنا يأتي دور الجهات المختصة، لا لمنع الناس من أفراحهم، ولا للتدخل في حياتهم الخاصة، وإنما لحماية المجال العام من التضليل والمبالغة والاستغلال المهني.

ونحتاج من الهيئة العامة لتنظيم الإعلام إلى مزيد من التنظيم الذي يميز بوضوح بين المادة الصحفية والمادة الإعلانية، ويراجع الممارسات التي تستغل الصفة الإعلامية في التسويق للأفراد وصناعة الوجاهة المصطنعة، ويتعامل بحزم، وفق الأنظمة، مع الادعاءات والألقاب غير المنضبطة والمحتوى الذي يتعارض مع قيم المجتمع أو يسيء إلى المهنة ومصداقيتها.

كما أن الرقابة لا ينبغي أن تُفهم دائمًا باعتبارها رقابة سابقة تمنع النشر؛ فالفضاء الرقمي اليوم أسرع وأوسع من ذلك بكثير. ولهذا تبرز أهمية الرقابة البعدية الفاعلة؛ بحيث تبقى المسؤولية قائمة بعد النشر، ويحاسب وفق الأنظمة من يضلل الجمهور، أو يخالف الضوابط، أو يستغل المهنة للتكسب على حساب الحقيقة والمصداقية.

ولعل من المناسب أيضًا إعادة النظر في الممارسات الإعلامية الفردية، وهي الأكثر حضورًا في بعض المنصات، والعمل على إيجاد أطر تنظيمية ومهنية واضحة تربط ممارسة العمل الصحفي بمؤسسات إعلامية مرخصة أو جهات مهنية معتمدة؛ بما يجعل المحتوى خاضعًا لمسؤولية تحريرية واضحة، وضوابط للنشر، ومساءلة تحمي قيم المجتمع وأخلاقيات المهنة وحق الجمهور في محتوى موثوق.

ومن المهم كذلك الاستفادة من التوجهات والمبادرات التي تبنتها إمارة منطقة عسير في معالجة بعض الظواهر الاجتماعية والحد من المبالغات التي تثقل المجتمع وتخرج بالعادات عن مقاصدها؛ فالتنظيم الرشيد لا يلغي العادات الجميلة، وإنما يحميها من التشوه، ويعيدها إلى بساطتها وقيمتها الاجتماعية الحقيقية.

ولعل هذه التجربة تستحق أن تكون محل نظر واستفادة لدى الجهات المعنية في مختلف المناطق؛ فبعض الظواهر لا تحتاج إلى المنع بقدر ما تحتاج إلى وعي وتنظيم وقدوة اجتماعية تعيد الأمور إلى حجمها الطبيعي.

لكن المسؤولية لا تقع على الجهات الرسمية وحدها.

المسؤولية تبدأ منا نحن الإعلاميين.

على الإعلامي أن يسأل نفسه قبل أن ينشر: ما القيمة العامة في هذه المادة؟ ماذا أضفت إلى معرفة الناس؟ هل أنقل حقيقة أم أصنع هالة؟ هل أمارس الإعلام أم العلاقات العامة الشخصية؟ وهل سأكتب الكلام نفسه لو لم تكن هناك منفعة، أو علاقة، أو مقابل؟

هذه الأسئلة البسيطة قد تعيد البوصلة إلى مكانها،والمسؤولية كذلك على المجتمع؛ فليس كل ما يصلنا يستحق إعادة النشر، وليس كل لقب يستحق التصديق، وليس عدد المصورين مقياسًا للمكانة، ولا عدد القصائد دليلًا على الإنجاز، ولا كثرة الحضور شهادة على قيمة الإنسان.

نريد مجتمعًا يفرح بلا إسراف، ويكرم بلا مبالغة، ويشكر بلا تزلف، ويحتفي بالإنجاز الحقيقي دون صناعة إنجازات وهمية.

ونريد إعلاميًا يرافق الحقيقة قبل أن يرافق الأشخاص.

فالمال يستطيع أن يشتري إعلانًا، وربما قصيدة وشيلة وحفلًا وعدسات كثيرة، لكنه لا يستطيع أن يشتري التاريخ.

والأثر الحقيقي لا يحتاج إلى إعلامي يمشي خلف صاحبه، ليخبرنا كل يوم أنه عظيم.

الأثر هو الذي يتحدث،وهذا، ربما، أحد الدروس التي بقيت لنا من غازي القصيبي: أن المناصب تنتهي، والمجالس تنفضّ، والتصفيق يسكت، والألقاب تتغير؛ أما العمل الذي يستحق البقاء، فيبقى.