الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٧ أغسطس-٢٠٢٦       1760

بقلم ـ عبدالله الكناني

ليست كل الاتفاقيات تُغيّر موازين القوى، لكن بعضها يُغيّر طريقة التفكير في الأمن ذاته،ومن هذا النوع جاءت اتفاقية  مكة  للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية؛ اتفاقية لا تُقرأ بوصفها وثيقة سياسية عابرة، بل باعتبارها إعلانًا عن ولادة إطار استراتيجي جديد، ينقل العلاقات التاريخية بين الدول الثلاث من مرحلة التعاون إلى مرحلة الالتزام الدفاعي المشترك.

إن اختيار  مكة  المكرمة لتوقيع هذه الاتفاقية ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، بل يحمل رسالة سياسية عميقة،فمن قلب العاصمة المقدسة للعالم الإسلامي، انطلقت رؤية تؤكد أن الأمن لم يعد مسؤولية منفردة، وأن استقرار المنطقة يتطلب شراكات راسخة تقوم على الثقة، وتستند إلى المصالح المشتركة، وتُترجم إلى التزامات عملية قادرة على حماية الأمن وصون السلام.

لقد رسخت الاتفاقية مبدأً بالغ الأهمية، حين نصّت على أن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد اعتداءً على الجميع،
وهذه ليست مجرد صياغة قانونية، بل هي معادلة ردع جديدة تعيد حسابات القوة في المنطقة. فالردع الحقيقي لا يبدأ بعد وقوع العدوان، وإنما يبدأ عندما يدرك من يفكر في الاعتداء أن أمامه إرادة جماعية، وقدرات متكاملة، واستجابة موحدة تجعل المغامرة مكلفة قبل أن تبدأ.

وهنا تكمن القيمة الاستراتيجية للاتفاقية؛ فهي لا تؤسس لتحالف يبحث عن مواجهة، وإنما تبني منظومة تمنع المواجهة عبر رفع كلفة العدوان وتعزيز فرص الاستقرار،فكلما ازدادت قوة الردع، تراجعت احتمالات الصراع، واتسعت مساحة الأمن والتنمية.

كما أن الاتفاقية لم تُبنَ على مصالح طارئة، بل على تاريخ طويل من العلاقات المتينة بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان،عقود من التعاون السياسي، والتنسيق العسكري، والروابط الاقتصادية، والامتداد الحضاري، جاءت هذه القمة لتمنحها إطارًا مؤسسيًا أكثر رسوخًا، يواكب طبيعة التحديات المتسارعة التي يشهدها العالم.

وتملك الدول الثلاث من عناصر التكامل ما يجعل هذه الشراكة واحدة من أهم الشراكات الإقليمية في العصر الحديث،فالمملكة العربية السعودية بثقلها السياسي والاقتصادي ومكانتها الإسلامية، وتركيا بقدراتها الصناعية والعسكرية المتقدمة، وباكستان بخبراتها الدفاعية وإمكاناتها الاستراتيجية، تشكل معًا منظومة تتكامل فيها الموارد والخبرات والإرادة السياسية، بما يعزز الأمن الإقليمي ويخدم الاستقرار الدولي.

وفي عالم لم تعد فيه التهديدات تقتصر على الحدود التقليدية، بل امتدت إلى الأمن السيبراني، والطائرات المسيّرة، وحماية الممرات البحرية، وأمن الطاقة، وسلاسل الإمداد، فإن التعاون الدفاعي لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية،ومن هنا تكتسب اتفاقية  مكة  أهميتها بوصفها إطارًا مرنًا لتطوير مختلف مجالات التعاون العسكري والأمني والتقني، بما يواكب طبيعة المخاطر الحديثة.

وتكشف هذه الاتفاقية أيضًا عن تطور مهم في السياسة السعودية، التي أصبحت لا تكتفي بالتفاعل مع المتغيرات، بل تبادر إلى صناعة التوازنات الإقليمية، من خلال بناء شراكات مسؤولة تُعزز الاستقرار وتحمي المصالح المشتركة،وهي رؤية تنسجم مع المكانة المتنامية للمملكة، ودورها المحوري في ترسيخ الأمن الإقليمي والدولي.

إن الرسالة التي خرجت من  مكة  واضحة: السلام لا تحميه الأمنيات، بل تحميه القوة الرشيدة، والشراكات الموثوقة، والإرادة المشتركة،وما شهدته  مكة  ليس مجرد توقيع اتفاقية دفاعية، بل تدشين لمرحلة جديدة من العمل الاستراتيجي بين ثلاث دول كبرى، تؤمن بأن الأمن مسؤولية جماعية، وأن الاستقرار لا يُصان إلا بالتكامل.

ولعل التاريخ سيتوقف طويلًا أمام هذه القمة، ليس لأنها أضافت وثيقة جديدة إلى سجل الاتفاقيات، بل لأنها دشنت مفهومًا جديدًا للأمن الإقليمي، يقوم على الردع المسؤول، والشراكة المتوازنة، والرؤية المشتركة. 
ومن مكة، كما انطلقت رسائل السلام عبر التاريخ، تنطلق اليوم رسالة تؤكد أن مستقبل المنطقة يُبنى بالتعاون، ويُحمى بالتكامل، ويستقر بإرادة دول تعرف أن قوة الشراكة هي الضمانة الحقيقية لأمن الشعوب واستقرار الأوطان.