بقلم ـ موضى عودة العمراني
الحبُّ ليس قرارًا يُصاغ في لحظة وعي، ولا شعورًا يُستدعى بإرادةٍ بشرية، بل هو قَدَرٌ خفيّ يتسلّل إلى القلب كضوءٍ لا يُرى، ويستقرّ فيه دون استئذان. إنّه تلك الطاقة الفطرية التي تطرق أبواب الروح كريحٍ ناعمة، فتختار من تُشعل فيه الحياة، ومن تمنحه مفاتيح مملكتها دون مقاومة.
وليس كلُّ حبٍّ وليدَ نزوةٍ عابرة أو شرارة اندفاعٍ مؤقت، فثَمّة أرواحٌ كأنها خُلقت على موعدٍ مؤجَّل، يكتب الله لها أن تلتقي، ويزرع في أحدها امتداد الآخر، حتى يغدو الحبّ جزءًا من البنية الداخلية للروح، لا يُنتزع مهما اشتدّ الألم، كأنه نقشٌ قديم حُفر في عمق الذاكرة قبل أن يُولد الزمن.
ومع امتداد هذا الارتباط، يتجاوز الحبُّ كونه شعورًا عابرًا ليصبح حالة وجود، يتغلغل في تفاصيل الإنسان، ويعيد تشكيل نظرته للعالم، حتى يغدو الآخر مرآةً للذات، وملاذًا داخليًا تتكئ عليه الروح في ضعفها وقوتها.
وحين تنطفئ الحكاية، لا ينكسر المحب لأنه فقد إنسانًا فحسب، بل لأنه سلّم قلبه كاملًا كمدينةٍ بلا أسوار، وجعل من أحبّ وطنًا داخليًا يسكنه، ثم استيقظ فجأة على غيابٍ يشبه الخراب، كأن الخرائط كلها أُعيد رسمها دون أن يُستشار قلبه.
إن أشدَّ أوجاع الحب ليست لحظة الرحيل، بل لحظة الإدراك الصامت بأن القلب الذي كان يفيض بالحياة صار يحمل فراغًا متسعًا على هيئة من غادره. فالمحب لا يحنّ إلى الأيام الماضية بقدر ما يحنّ إلى النسخة التي كان عليها حين كان الآخر حاضرًا، ويبكي ذلك الجزء غير المرئي من روحه الذي انسحب بصمتٍ مع الراحل.
وهكذا يكشف الحب عن أعنف دروسه وأكثرها قسوة ودهشة؛ فهو قادرٌ أن يرفع الإنسان إلى ذروة الضوء، حيث يبدو العالم أخفّ من نبضة، وقادرٌ في اللحظة ذاتها أن يُسقطه من داخله بركلةٍ واحدة، إذا لم يجد قلبًا يحسن حمل هذا الامتلاء. فليست كلُّ ركلات الحياة مؤلمة، لكن ركلات الحب تترك أثرًا شفافًا لا يُرى، كندبةٍ داخل المعنى، يظلّ وجعها يتردّد مع كل نبضة، حتى يتعلّم القلب أن بعض الأحبة لم يكونوا قدرًا يُكتمل، بل درسًا يُفهم متأخرًا.