الكاتب : النهار
التاريخ: ١٩ يوليو-٢٠٢٦       15950

بقلم- طارق بن محمد بن حزام

منذ أن قالت امرأة عمران: ﴿وليس الذكر كالأنثى﴾، والناس يرددون هذه الآية، غير أن كثيرًا منهم يقرؤها معزولةً عن سياقها، أو يحملها ما لم تُرد. فما ظنته الأم عائقًا أمام نذرها، جعله الله طريقًا إلى اصطفاء مريم عليها السلام، لتكون سيدةً من سيدات نساء العالمين، وأمًّا لنبي كريم. وهكذا يكشف القرآن أن حكمة الله أوسع من تصورات البشر، وأن الاختلاف ليس مرادفًا للنقص، بل قد يكون سبيلًا إلى كمالٍ من نوع آخر.

لقد جاء القرآن أولًا ليقرر وحدة الأصل الإنساني قبل أن يقرر اختلاف الخصائص؛ فالذكر والأنثى كلاهما مخلوق لله، مكرمان بالإنسانية، مشتركان في التكليف والثواب والعقاب، قال تعالى: ﴿بعضكم من بعض﴾. فلا تفاضل في أصل الإنسانية، ولا في ميزان الكرامة، وإنما يكون التفاضل بالتقوى والعمل الصالح.

غير أن المساواة في الكرامة لا تعني التماثل في الخِلقة والوظيفة؛ فالفطرة ليست نسخًا متطابقة، وإنما تنوع مقصود تتحقق به حكمة الاستخلاف. فجعل الله للمرأة خصائص الحمل والولادة والرضاعة، وجعل على الرجل مسؤولية النفقة والقوامة، فكان اختلاف الوظائف عدلًا تقتضيه الفطرة، لا انتقاصًا من القيمة، ولا تفضيلًا مطلقًا لأحد الجنسين على الآخر.

ومن هذا المنطلق تُفهم الآية الكريمة: ﴿وليس الذكر كالأنثى﴾؛ فقد جاءت في سياق خدمة بيت المقدس، حيث كانت امرأة عمران ترى أن الغلام أقدر على القيام بهذه المهمة بحسب ما جرى عليه العرف آنذاك. ولذلك فهم جمهور المفسرين أن الآية تتحدث عن اختلافٍ في الخصائص التي تناسب بعض المسؤوليات، لا عن تفاوتٍ في الكرامة أو المنزلة الإنسانية.

وإذا كان القرآن قد أصل هذه القاعدة، فإن السنة جاءت مفسرة لها. ومن هنا يُفهم حديث النبي ﷺ في وصف النساء بأنهن «ناقصات عقل ودين»، وهو من أكثر النصوص التي أسيء فهمها بسبب اجتزائه من سياقه. فقد بيّن ﷺ أن نقصان العقل يتعلق بالشهادة في بعض المعاملات المالية، وهو حكم شرعي في مجال محدد، لا وصفًا عامًا لقدرة المرأة العقلية أو مستوى ذكائها. كما بيّن أن نقصان الدين هو ترك الصلاة والصيام زمن الحيض، وهو رخصة شرعية ورحمة إلهية، لا نقص في الإيمان، ولا مؤاخذة على تقصير.

بل إن سياق الحديث نفسه شاهد على ذلك؛ إذ يقول ﷺ: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبِّ الرجل الحازم من إحداكن»، فجعل المرأة قادرة على التأثير في صاحب اللُّب والعقل الراجح، في أسلوب يحمل معنى التعجب من قوة أثرها، لا الانتقاص من قدرها.

ثم جاءت مريم عليها السلام شاهدًا خالدًا على هذه الحقيقة؛ فما حسبته أمها قصورًا في أداء المهمة، جعله الله اصطفاءً ورفعةً وخلودًا في كتابه الكريم. وفي ذلك رسالة بليغة بأن اختلاف الخصائص لا يحول دون بلوغ أعلى مراتب الفضل، وأن الكرامة عند الله لا تُقاس بجنس الإنسان، وإنما بما يحمله من إيمان وعمل.

ولعل أعظم ما أفسد قراءة هذه النصوص أنها قُرئت بمنطق المفاضلة، بينما جاءت لتؤسس لمعنى التكامل؛ فليس كل اختلافٍ تفضيلًا، كما أن المساواة ليست دائمًا تماثلًا. فالرجل والمرأة ليسا خصمين في ميدان الحقوق، ولا متنافسين على المكانة، وإنما شريكان في عمارة الأرض، لكلٍّ منهما خصائصه، ولكلٍّ منهما رسالته.

فالعدل لا يعني أن يتشابه الناس في كل شيء، وإنما أن يُعطى كلُّ إنسان ما يلائم خلقته، ويؤدي رسالته التي هيأه الله لها؛ وبهذا وحده يتكامل المختلفان، ويتآلف الجنسان، ويستقيم العمران