الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ يوليو-٢٠٢٦       2255

وسيلة محمود الحلبي - النهار

ليست كل الجوائز تُمنح لأصحاب الإنجازات الظاهرة، فهناك أوسمة تستحقها قلوب صبرت، وأرواح آمنت، وأيدٍ ربّت بصمت حتى صنعت أجيالًا ترفع الرأس وتبني الوطن. فالأم الحاضنة ليست مجرد راعية لأبنائها، بل هي صانعة إنسان، وبانية شخصية، ومهندسة مستقبل.
وفي احتفال جمعية كيان للأيتام ذوي الظروف الخاصة بنجاح أبنائها وبناتها في واحة الملك سلمان للعلوم والتقنية ضمن مشروع "عِلْم"، لم يكن تكريم الأمهات الحاضنات المتميزات مجرد فقرة في برنامج الحفل، بل كان رسالة وفاء لكل امرأة جعلت من الصبر طريقًا، ومن التربية رسالة، ومن الحب قوةً تهزم الظروف.
وخلال الحفل، التقينا بعدد من الأمهات اللاتي روين رحلتهن الملهمة في صناعة النجاح.

الأم فاطمة عبدالله محمد زوجة سعد : أكدت أن التربية تبدأ بغرس الإيمان بالله، والاجتهاد، والانضباط، وتحمل المسؤولية، واحترام الآخرين، مع بناء الثقة بالنفس والإصرار على تحقيق الأهداف. وقالت إن الظروف الصعبة لا ينبغي أن تكون حاجزًا أمام النجاح، بل دافعًا لتجاوزها، مشيرة إلى أنها كانت تغرس في أبنائها منذ الصغر أن العلم هو الطريق الحقيقي لبناء المستقبل.
وأضافت أن القدوة العملية كانت أهم وسائلها التربوية، إذ كانت تشارك أبناءها رحلة كفاحها وإنجازاتها، ليؤمنوا أن النجاح ثمرة للصبر والعمل، وأن التحفيز المستمر والبيئة الداعمة يصنعان شخصيات واثقة قادرة على تجاوز التحديات.
ووجهت رسالة مؤثرة إلى أولياء أمور الأيتام، دعتهم فيها إلى احتضان أبنائهم بالحب والثقة، وتشجيعهم على التعلم، والاحتفاء بإنجازاتهم مهما بدت صغيرة، مؤكدة أن الكلمة الطيبة، والقدوة الحسنة، والدعاء الصادق، تصنع أثرًا يبقى في النفوس مدى الحياة.
كما عبرت عن بالغ امتنانها لجمعية كيان، ولرئيسة مجلس الإدارة الأستاذة سمها الغامدي، ولإدارة الجمعية ومنسوبيها، على ما يقدمونه من دعم ورعاية وتشجيع كان له بالغ الأثر في مسيرة نجاحها ونجاح أبنائها.

أما الأم سحر عبد العزيز (أم عبد العزيز الجابر): ، فأوضحت أن سر تميز الأبناء يكمن في تنمية الاستقلالية، وتحمل المسؤولية منذ الصغر، وغرس الصدق، والالتزام، واحترام الوقت، والثقة بالنفس، وتشجيعهم على خوض التجارب دون خوف من الفشل، مع الإيمان بأن التعليم هو الطريق الأهم لتغيير المستقبل.
وأكدت أن أبناء الأيتام يستحقون أن يُعاملوا كغيرهم تمامًا، وأن تُبنى ثقتهم بأنفسهم، ويُشعروا بالأمان والمحبة، فالقيمة الحقيقية للإنسان فيما يملكه من قدرات وإمكانات، لا في الظروف التي مر بها.

فيما تحدثت الأم أسماء يوسف: والدة ثلاث بنات، عن حرصها على اكتشاف ميول بناتها منذ الصغر، وتشجيعهن على الالتحاق بالدورات التدريبية التي تنمي مواهبهن وتساعدهن على رسم مستقبل أحلامهن. فإحداهن تعشق الرسم والتمثيل وتحلم بأن تصبح مهندسة، والثانية تهوى الأعمال اليدوية وتتطلع إلى الهندسة المعمارية، بينما بدأت الصغيرة بإظهار موهبة الرسم التي تحرص والدتها على رعايتها.
وأكدت أن الأم هي السند الحقيقي لأبنائها، وأن عليها أن تمنحهم الثقة، وتؤمن بأفكارهم، وتدفعهم دائمًا نحو التميز. كما عبرت عن سعادتها الغامرة برؤية نجاح بناتها، وقدمت شكرها العميق لجمعية كيان، وللأستاذة سمها الغامدي، والأستاذة ندى القنيبط، وجميع منسوبي الجمعية، لما يقدمونه من دعم صادق للأبناء والأسر. وأشارت كذلك إلى حصولها على دبلوم في اللغة الإنجليزية، معبرة عن طموحها لمواصلة دراستها حتى مرحلة الماجستير رغم ما تواجهه من تحديات.

أما الأم عهد الطايل والدة الطالبة الريم فيصل: ، فقد لخّصت فلسفتها التربوية بكلمات قليلة وعميقة: الرضا بقضاء الله، وعدم الاستسلام، وعدم مقارنة الأبناء بغيرهم، والإيمان بأن التعليم هو السلاح الحقيقي الذي يبقى معهم طوال الحياة.
ووجهت رسالة إلى أولياء الأمور دعتهم فيها إلى اكتشاف مواهب أبنائهم وعدم إهمالها، والعمل على تنميتها ودعمها بكل الوسائل، مؤكدة أن هذا الدعم سيظل راسخًا في ذاكرة الأبناء، وسيكون سببًا في بناء مستقبل كريم لهم.
كما عبرت عن اعتزازها الكبير بانتمائها إلى جمعية كيان، مؤكدة أن وجودها بين قيادات الجمعية والداعمين وأعضاء مجلس الإدارة في هذا الحفل مصدر فخر واعتزاز، وأن كيان لم تكن يومًا مجرد جمعية، بل أسرة كبيرة تحتضن أبناءها وأمهاتهم بمحبة وإخلاص.

لقد أثبتت هذه النماذج الملهمة أن الأم الواعية قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، واليأس إلى أمل، وأن التربية الصالحة ليست مرتبطة بوفرة الإمكانات، بل بعظمة المبادئ، وصدق الإيمان، وحسن الاحتواء.
وكان تكريم هؤلاء الأمهات رسالة مجتمع بأكمله، تؤكد أن من يزرع القيم ويحفظ الأمانة ويصنع الإنسان، يستحق أن يُكرَّم قبل الجميع؛ فخلف كل ابن ناجح... أم آمنت به، وخلف كل قصة تميز... قلبٌ لم يتوقف يومًا عن العطاء.