الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٨ يوليو-٢٠٢٦       4510

وائل العتيبي - جدة -النهار

لم يعد تطوير قطاع العسل في المملكة يقتصر على دعم النحالين أو زيادة أعداد خلايا النحل، بل دخل مرحلة أكثر عمقًا تستهدف بناء صناعة متكاملة ترتكز على المعرفة والتقنيات الحديثة، وحماية السلالات المحلية، وتعزيز الأمن الحيوي، بما يحول تربية النحل من نشاط زراعي تقليدي إلى رافد اقتصادي يسهم في تحقيق الأمن الغذائي، والمحافظة على التنوع البيولوجي، ودعم التنمية الريفية المستدامة، انسجامًا مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.

وفي خطوة تعكس هذا التحول، أعلن برنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة «ريف السعودية» اكتمال تنفيذ 11 مشروعًا تنمويًا تجاوزت قيمتها 70 مليون ريال، تستهدف بناء بنية تحتية متخصصة لقطاع تربية النحل وإنتاج العسل، بما يعزز قدرة المملكة على إنتاج الملكات والطرود محليًا، ويرفع كفاءة المناحل، ويحد من الاعتماد على الاستيراد، ويعزز تنافسية العسل السعودي في الأسواق.

وأكد المتحدث الرسمي لبرنامج «ريف السعودية» ماجد البريكان أن البرنامج يتبنى نهجًا تنمويًا يتجاوز الدعم المباشر للنحالين إلى تأسيس منظومة إنتاج متكاملة، تبدأ بتطوير سلالات النحل المحلية، وتمر برفع كفاءة سلاسل القيمة والإنتاج، وتنتهي بتمكين المنتج الوطني من المنافسة عبر تحسين الجودة وتوسيع فرص التسويق، بما ينعكس على استدامة القطاع وزيادة إسهامه في الاقتصاد الريفي.

وأوضح أن المشاريع شملت أربعة مشاريع تطويرية في قطاع العسل بقيمة قاربت 17 مليون ريال، اكتمل تنفيذها بالكامل، إلى جانب سبعة مشاريع لإنشاء محطات لتربية ملكات النحل وإنتاج الطرود في عدد من مناطق المملكة، تجاوزت قيمتها 53.3 مليون ريال، ووصلت إلى مراحلها النهائية تمهيدًا للتشغيل، بما يمثل نقلة نوعية في توطين إنتاج الملكات والطرود وتقليل الاعتماد على المصادر الخارجية.

ولا تقتصر أهمية هذه المشاريع على زيادة الإنتاج، بل تمتد إلى حماية الثروة النحلية باعتبارها عنصرًا أساسيًا في استدامة النظم الزراعية والبيئية، إذ نفذ البرنامج منظومة متكاملة لفحص وتشخيص أمراض وآفات النحل، تضمنت مختبرات متنقلة وعيادات ميدانية وتجميعًا للعينات وإنشاء قاعدة بيانات وطنية للأمراض والآفات، بما يدعم سرعة الاستجابة، ويرفع كفاءة الوقاية، ويعزز الأمن الحيوي للمناحل السعودية.

كما شملت المشاريع توريد ثلاثة مختبرات متنقلة مجهزة بأحدث التقنيات، وإنشاء أربع عيادات ميدانية لفحص وتشخيص أمراض النحل في المحاجر والمناحل، إلى جانب تدريب الكوادر الوطنية على التقنيات الحديثة، وتوفير أدوات النحالة المتطورة، بما يسهم في رفع كفاءة الخدمات البيطرية وتقليل مخاطر انتقال الأمراض، وتحسين جودة الإنتاج واستدامته.

وأشار البريكان إلى أن محطات تربية الملكات وإنتاج الطرود تمثل إحدى الركائز الاستراتيجية لتطوير القطاع، لما تؤديه من دور في تحسين الصفات الوراثية للسلالات المحلية، وزيادة أعداد الطوائف، والحفاظ على التنوع البيولوجي، والحد من انتقال الأمراض والاختلاط الجيني الناتج عن السلالات المستوردة، الأمر الذي ينعكس مباشرة على جودة العسل واستقرار الإنتاج.

وبيّن أن نسب الإنجاز في المحطات بلغت مستويات متقدمة، إذ وصلت إلى 99% في تبوك، و98% في حائل، و97% في المدينة المنورة، و92% في جازان، و91% في النماص بمنطقة عسير، مع تقدم الأعمال في الطائف ونجران تمهيدًا لدخولها الخدمة خلال الفترة المقبلة.

وتنتظر هذه المشاريع آثارًا تتجاوز قطاع العسل نفسه، إذ ستسهم في رفع إنتاجية المناحل، وتوفير فرص عمل في المجتمعات الريفية، وتأهيل النحالين على التقنيات الحديثة، وتحقيق استقرار أكبر في إنتاج العسل المحلي على مدار العام، إلى جانب تعزيز القيمة المضافة للمنتج الوطني، ورفع قدرته على المنافسة في الأسواق المحلية والدولية.

ويكتسب هذا التوجه أهمية إضافية إذا ما نظر إلى الدور الحيوي الذي يؤديه النحل في تلقيح المحاصيل الزراعية، والمحافظة على التنوع النباتي، ودعم استدامة النظم البيئية، ما يجعل الاستثمار في قطاع النحالة استثمارًا يتجاوز إنتاج العسل ليطال الأمن الغذائي والاقتصاد الريفي والبيئة في آن واحد.

وبهذه المشاريع، تمضي المملكة نحو بناء صناعة عسل حديثة، تقوم على البحث والتطوير والتقنيات الحيوية، وتحويل الميزات الطبيعية التي تتمتع بها مناطقها المختلفة إلى قيمة اقتصادية مستدامة، بما يعزز مكانة العسل السعودي بوصفه منتجًا وطنيًا عالي الجودة، ويؤسس لمرحلة جديدة من التنمية الزراعية القائمة على الابتكار والاستدامة.