بني مالك ـ النهار
في جبال بني مالك، لا تبدو المدرجات الزراعية مجرد تشكيلات هندسية نحتها الإنسان في سفوح الجبال، بل تمثل ذاكرةً حيةً لثقافة زراعية عريقة استطاعت، عبر أجيال متعاقبة، أن تحول التضاريس الوعرة إلى حقول منتجة، وأن تحفظ أصنافاً نباتية محلية أصبحت اليوم جزءاً من الهوية الزراعية للمملكة. وبين هذا الإرث العريق، تتجه المملكة إلى توظيف المقومات الطبيعية للمناطق الجبلية في بناء اقتصاد زراعي مستدام، يعزز الأمن الغذائي، ويحافظ على التنوع النباتي، ويفتح آفاقاً جديدة للتنمية الريفية.
وفي هذا السياق، تفقد مدير عام فرع وزارة البيئة والمياه والزراعة بمنطقة مكة المكرمة، المهندس وليد بن إبراهيم آل دغيس، يرافقه مساعد مدير عام الفرع للدعم والتمكين المهندس هاني بن حمود الميموني، ومدير وحدة الوزارة في بني مالك المهندس أحمد الثقفي، عدداً من المشروعات الزراعية والمبادرات التنموية في بني مالك جنوب محافظة الطائف، للوقوف على واقع القطاع الزراعي، ومتابعة المبادرات الداعمة للمزارعين، وتعزيز استدامة الزراعة الجبلية.
وتُعد بني مالك، التي يطلق عليها كثيرون "لؤلؤة الحجاز"، واحدة من أبرز البيئات الزراعية الجبلية في المملكة، بفضل مناخها المعتدل، ومدرجاتها التاريخية، ووفرة مواردها الطبيعية، واشتهارها بإنتاج محاصيل ذات قيمة اقتصادية وغذائية عالية، في مقدمتها اللوز البجلي والرمان والعنب والتين، إلى جانب العسل الطبيعي، وهو ما جعلها وجهة واعدة للاستثمار الزراعي والسياحة الريفية.
وشملت الجولة زيارة مشاتل إنتاج أصول شتلات الرمان والعنب والتين واللوز، والاطلاع على مشتل متخصص في إنتاج اللوز البجلي، ضمن جهود الوزارة لتعزيز استدامة المحاصيل المحلية، من خلال برنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة "ريف" ومبادرة المدرجات الزراعية، اللذين يسهمان في رفع كفاءة الإنتاج، والمحافظة على النظم الزراعية التقليدية، وتحسين جودة المنتجات، وتعزيز كفاءة استغلال الموارد الطبيعية.
كما اطلع الوفد على عدد من مزارع الفاكهة، وتجارب الزراعة البعلية، وزيارة مزرعة "فليغرسها"، واستمع إلى تجارب المزارعين في تطوير الإنتاج الزراعي والاستفادة من البرامج الحكومية، قبل أن يختتم جولته بزيارة إحدى المزارع النموذجية في المنطقة.
وأكد المهندس آل دغيس أن الزيارات الميدانية تمثل ركيزة أساسية لتطوير القطاع الزراعي، إذ تتيح الوقوف المباشر على احتياجات المزارعين، ورصد التحديات، ودراسة فرص التحسين، بما يسهم في رفع جودة الخدمات، وتعزيز كفاءة المشروعات الزراعية، وتمكين المجتمعات الريفية، انسجاماً مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تحقيق الأمن الغذائي والاستدامة البيئية.
وأضاف أن التواصل المباشر مع المزارعين وفرق العمل يعزز سرعة معالجة التحديات، ويرفع مستوى الشفافية، ويضمن توجيه المبادرات الحكومية بما يتوافق مع احتياجات الميدان، ويحقق أثراً تنموياً مستداماً.
ويتصدر اللوز البجلي المشهد الزراعي في بني مالك بوصفه أحد أندر وأجود أصناف اللوز البلدي في المملكة، ويمثل إرثاً زراعياً ارتبط تاريخياً بجبال بني مالك وسراة قبيلة بجيلة، حيث توارثت زراعته الأجيال، ليصبح اليوم منتجاً محلياً ذا قيمة اقتصادية متنامية، يحظى بإقبال واسع لما يتميز به من جودة عالية وقيمة غذائية استثنائية.
ويبدأ موسم إزهار اللوز البجلي خلال شهري يناير وفبراير، حين تكتسي جبال بني مالك بالأزهار البيضاء والوردية في مشهد طبيعي فريد، فيما يمتد موسم الحصاد من منتصف يوليو حتى نهاية أغسطس، إلى جانب موسم اللوز الأخضر في الربيع، الأمر الذي يمنح المنطقة موسماً زراعياً وسياحياً يعزز حضورها على خارطة السياحة الريفية بالمملكة.
وتعكس هذه الجهود توجه المملكة نحو إعادة إحياء الزراعة الجبلية بوصفها قطاعاً اقتصادياً واعداً، لا يقتصر دوره على إنتاج الغذاء، بل يمتد إلى حماية الإرث الزراعي، وصون التنوع النباتي، وتحقيق التنمية المستدامة، وخلق فرص اقتصادية جديدة للمجتمعات المحلية.
وتواصل بني مالك ترسيخ مكانتها بوصفها أحد أهم النماذج الوطنية للزراعة الجبلية، حيث تلتقي خبرة الإنسان المتوارثة مع المبادرات الحكومية الحديثة، لتتحول محاصيلها المحلية، وفي مقدمتها اللوز البجلي، إلى قصة نجاح تنموية تعكس ثراء المكان، وتحمل هوية جبال السروات إلى الأسواق، وتؤكد أن الاستثمار في الأرض هو استثمار في المستقبل.