النهار

٠٣ يوليو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٣ يوليو-٢٠٢٦       1815

بقلم ـ طارق محمود نواب
حين تُذكر كلمة المافيا يتبادر إلى الذهن عالم الجريمة المنظمة حيث تُدار المصالح في الظل وتُشترى الذمم وتُصنع التحالفات بعيدًا عن أعين الناس. غير أن أخطر أنواع المافيا ليست تلك التي تعبث بالاقتصاد أو الأمن بل تلك التي تعبث بالوعي الإنساني. فالمافيا الفكرية لا تُهرّب المخدرات بل تُهرّب الأوهام. ولا تغسل الأموال بل تغسل العقول. ولا تُزوّر الوثائق بل تُزوّر الإدراك.
إنها شبكة غير مرئية فقد تتشكل من أفراد أو مؤسسات أو منصات أو جماعات مصالح يجمعها هدف واحد هو احتكار تفسير الواقع وإقناع الناس بأن الحقيقة لا تُرى إلا من نافذتها. ولأنها تدرك أن السيطرة على العقل أكثر دوامًا من السيطرة على الجسد فإنها لا تبدأ بإلغاء التفكير بل بإعادة هندسته. فهي تُحدد للناس ما يجب أن يُعجبهم وما ينبغي أن يرفضوه ومن يستحق الاحترام ومن يجب إسقاطه حتى تتحول الأحكام إلى ردود فعل تلقائية لا إلى نتائج تفكير. ومع مرور الوقت يصبح الإنسان يعتقد أنه يُفكر بحرية بينما هو في الحقيقة يتحرك داخل حدود رسمها له غيره.
ولعل أخطر ما تُنتجه  المافيا الفكرية  ليس الجهل بل اليقين الزائف. فالجاهل قد يبحث عن المعرفة أما الذي يظن أنه يمتلك الحقيقة كاملة فلن يرى سببًا للمراجعة أو التعلم. وهنا تبدأ رحلة الانغلاق حيث تتحول الأفكار إلى أسوار ويتحول الحوار إلى معركة ويصبح الانتصار للرأي أهم من الوصول إلى الحقيقة.
ومن أساليبها أيضًا صناعة الرموز المقدسة في الفضاء الرقمي. فبعض الأشخاص لا يُعاملون بوصفهم بشرًا يُصيبون ويُخطئون بل بوصفهم مرجعيات لا يجوز مساءلتها. وعندما تُمنح الأفكار حصانة من النقد تتوقف عن النمو وتتحول إلى قوالب جامدة تُعاد صياغتها في كل جيل.
ولذلك فإن  المافيا الفكرية  لا تخاف من الجهل بقدر خوفها من العقل النقدي. فهي تدرك أن السؤال الصادق قد يهدم منظومة كاملة بُنيت عبر سنوات من التلقين وأن قارئًا واحدًا يمتلك أدوات التحليل قد يُربك آلاف المرددين للشعارات.
ولاشك ان الحضارات لا تُقاس بحجم ما تنتجه من معلومات بل بقدرتها على إنتاج عقول مستقلة. فالمعلومات يمكن نقلها أما الاستقلال الفكري فلا يُمنح بل يُكتسب بالقراءة والمراجعة والشجاعة في الاعتراف بالخطأ.
ولعل المشكلة الأكبر أن  المافيا الفكرية  لا تعيش في اتجاه واحد ولا تنتمي إلى تيار بعينه ولا ترتبط بأيديولوجيا محددة. إنها تظهر كلما ادّعى أحد امتلاك الحقيقة المطلقة وكلما أصبح الاختلاف جريمة وكلما استُبدل البرهان بالتصفيق والمنطق بالولاء والنقاش بالإقصاء.
ومن هنا فإن المعركة الحقيقية ليست بين فكرة وأخرى بل بين عقل مفتوح وعقل مغلق. بين من يرى الحقيقة رحلة لا تنتهي ومن يظن أنه وصل إليها منذ زمن. ولهذا فإن أخطر سؤال يمكن أن يطرحه الإنسان على نفسه ليس من يُخالفني بل من الذي يُفكر بدلًا مني. فمنذ اللحظة التي يتنازل فيها الإنسان عن حقه في التفكير يصبح عضوًا في  المافيا الفكرية  ولو كان يظن أنه يقاومها.

واخيرا اقول لا تمنح أحدًا حق التفكير نيابةً عنك ولا تجعل إعجابك بالأشخاص يُعطل حكمك على الأفكار. فاقرأ من جميع الاتجاهات وزن كل رأي بميزان العقل والبرهان ولا تخشَ مراجعة قناعاتك إذا ظهر لك ما هو أصدق منها. فالوعي لا يُقاس بكثرة ما تحفظ بل بقدرتك على التمييز بين الحقيقة والضجيج. وتذكر دائمًا أن العقل الحر هو الحصن الذي لا تستطيع أي مافيا فكرية اختراقه.