الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٧ يونيو-٢٠٢٦       2695

الرياض - النهار

نظّمت  جمعية الأدب  المهنية عبر سفرائها بمحافظة الزلفي محاضرة فكرية بعنوان "اللغة والهوية: إشكالات وتحديات" بالتعاون مع مكتب وزارة البيئة والمياه والزراعة بالمحافظة  قدّمها الباحث الدكتور منصور بن عبد العزيز المهوس، أستاذ البلاغة والنقد بقسم اللغة العربية بجامعة المجمعة، وأدارها الشاعر أحمد العامر، بحضور نخبة من المثقفين والمهتمين بالشأن اللغوي.
واستهل الدكتور المهوس محاضرته بالربط بين الكلام والوجود البشري، مستنداً إلى مقولة سقراط "تكلّم حتى أراك" وبيت زهير بن أبي سلمى "لسان الفتى نصف ونصف فؤاده"، مؤكداً أن اللغة ليست مجرد أداة تعبير بل مرآة العقل والقلب، واضطرابها اضطراب للهوية. وأوضح أن الهوية تُبنى داخل اللغة كما يرى سابير، وتعبّر عن أغراض ووعي الثقافة كما قال ابن جني. وبيّن أن مصطلح الهوية يعود في المعاجم الأجنبية إلى القرن السادس عشر "Identity" وظهرت "أزمة الهوية" منتصف القرن العشرين، بينما اشتق عربياً من ضمير الغائب "هو" للدلالة على الماهية الثابتة، وجاء مجازاً بمعنى البئر العميقة "الهُوّة" مكسورة الهاء لتشير إلى الغور والعمق الفكري.

وفرّق بين اللغة والخطاب عند دي سوسير، فاللغة نظام اجتماعي ثابت والخطاب أداء فردي مادي، وبناءً عليه فإن اللغة التي يختارها الفرد في خطابه اليومي تحدد ملامح هويته: العامية تمثل البيئة، والفصحى تمثل الإرث والحضارة، والأجنبية تمثل الفرد المعولم. واستعرض مواقف العرب المعاصرة من التحديات في ثلاثة تيارات: متفائل، ومتشائم يخشى العولمة، ووسطي وهو الأكثر واقعية ونضجاً ويؤمن بالتجاور والتفاعل دون بكاء على الماضي أو ذوبان في الآخر، مؤكداً أن نزول القرآن ضامن لخلود العربية بشرط التخطيط اللغوي الفعّال.

وتطرق إلى الفضاء الرقمي وتحديات الذكاء الاصطناعي والعولمة، موضحاً أن المشكلة أن التقنيات ونماذج الذكاء الاصطناعي الحالية تتغذى على مدونات لغوية غربية أنجلوأمريكية لأنها الأكثر حضوراً وشيوعاً للبيانات، فالقضية ليست صراع لغات بل مسألة حضور رقمي، والقاعدة "من كتب أكثر سُمع أكثر". وأشار إلى أن الإشكال العميق في الخليج ليس في لغة التأليف والكتابة بل في تغليب الإنجليزية في التخاطب اليومي والمؤسسي، وينقسم الخطاب الرقمي للشباب إلى ثلاثة أصناف تشكل هوية بينية: العربيزي بكتابة العربية بحروف لاتينية مثل "Salam"، والاقتراض والاشتقاق الصرفي بصياغة كلمة أجنبية بقالب عربي مثل "شيّك" و"كنسل"، والتناوب واللجوء اللغوي بخلط كلمة أجنبية بسياق عربي مثل "سويت له بلوك". وحذّر من ظاهرة "تعفّن الدماغ" Brain Rot كلمة عام 2024 وفق أكسفورد، والتي تشير إلى تراجع القدرات العقلية والتركيز بسبب الإفراط في استهلاك المحتوى القصير المجزأ عبر منصات مثل تيك توك. ورأى أن القلق من الهوية الهجينة والقطيعة مع الجذور يتحول لأزمة حقيقية عندما تصبح الإنجليزية لغة "التفكير" لا "التعبير" فقط، فيحدث قطيعة للطالب مع جذوره وتراثه وعجز عن "التحوّل اللغوي الواعي" بين لغة الشارع الرقمي والفصحى الأكاديمية.

وعن التحديات الاقتصادية والتعليمية الكبرى، أكد أن ارتباط فرص العمل والمنصات والوظائف بالإنجليزية يولّد نظرة دونية للغة الأم لدى الشباب فيقيسون لغتهم بمعيار السوق الاقتصادي لا بمعيار القيمة. وبيّن أن العربية تعاني غياب "مشروع لغوي وطني موحد" مقارنة بتجارب دول مثل كوريا والصين وتركيا، فالأزمة في أهل السياسات والممارسات وغياب البنى الحاسوبية والمبادرات المستدامة. وأوضح جدلية الفنون والعلوم التطبيقية، فالمجتمع يتقبل تدريس الطب والهندسة بالإنجليزية كأدوات وظيفية محايدة، لكنه يثور في الفنون لأنها تمثل "مناطق القيم والوجدان والذاكرة الشعبية والهوية اللغوية".

وختم برؤية استشرافية لمحور الحلول والتطوير بنموذج المملكة، مستعرضاً الحراك المؤسسي والتشريعي المتمثل في موافقة مجلس الوزراء على "السياسة الوطنية للغة العربية" بتاريخ 3 فبراير 2026م الموافق 15 شعبان 1447هـ، حيث يتولى مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية إعداد تقارير دورية لقياس أثر تفعيل السياسة في مختلف قطاعات الدولة لتعريب الفضاء الحضري والتجاري وسد الفراغ الرقمي. ودعا إلى تجاوز المبادرات الموسمية والاحتفالية المؤقتة والاتجاه نحو الاستدامة والممارسات الذكية المواكبة لرؤية 2030، وصناعة حركة ترجمة وتعريب وطنية مكثفة موجهة للمناهج الحديثة لتثبيت مرونة العربية وقدرتها الاستيعابية، وإعادة حضور العربية في الفضاء الرقمي وبناء مدونات لغوية ضخمة، والتحرر من النظرة الدونية للغة وربطها بحياة الشباب.