النهار

١٣ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ مايو-٢٠٢٦       2530

بقلم -علية القرني

أتحدث اليوم بلسان الموظف السعودي المجتهد في القطاع الخاص. ذلك الذي يبدأ يومه بمسؤوليات لا تحتمل التأجيل، ويخرج لعمله لا يطلب امتيازاً، بل بيئة تحترم جهده وتحفظ كرامته.

الواقع على الأرض يختلف كثيراً عما يصل إلى مكاتب الإدارات العليا. 
كثير من الموظفين يعانون من توجيهات متضاربة، وتكليفات خارج الوصف الوظيفي، وضغط نفسي يتحول أحياناً إلى وسيلة لإسكات أي اعتراض. وحين يرفع الموظف صوته، يواجه بالتجاهل أو بالتهديد بفقدان مصدر دخله الوحيد.

هنا يطرح السؤال نفسه: هل تعلم الإدارات العليا في القطاعين الخاص والحكومي ما يحدث فعلياً في الميدان؟ أم أن التقارير المرفوعة تُزين بصور لا تمت للواقع بصلة؟ الأنظمة العمالية في المملكة واضحة في حماية الحقوق، لكن المشكلة تكمن في التطبيق. فبعض القيادات الوسطى حوّلت بيئة العمل من مساحة إنتاج إلى اختبار لقدرة الموظف على التحمل.

ومع ذلك، هناك خطوات عملية تبعث على التفاؤل. وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية أصدرت قرارات توطين 100% لعدد من المهن والأنشطة، والقرار جارٍ تنفيذه حالياً. من أبرز هذه المهن الموطنة بالكامل:

الوظائف الإدارية والسكرتارية: كاتب استقبال فندقي ومرضي، سكرتير تنفيذي، موظف موارد بشرية، مدير شؤون الموظفين، مخلص جمركي.
وظائف الأمن والسلامة: حارس أمن خاص، مشرف أمن، مسؤول سلامة مهنية.
خدمة العملاء: استقبال المرضى، تلقي الشكاوى، الكاشير.
قطاعات التجزئة الحساسة: الذهب والمجوهرات، الاتصالات، محلات الملابس والعبايات، قطع غيار السيارات، مواد البناء، العطور، النظارات، والمقاصف المدرسية.

هذا التوجه يعطي الموظف السعودي فرصة أكبر للتمكين والاستقرار، لكنه يضع على عاتق المؤسسات مسؤولية مضاعفة في تهيئة بيئة عمل جاذبة تحفظ حقوقه وتستثمر قدراته. فالتوطين وحده لا يكفي إذا لم يرافقه إنصاف في المعاملة وتطوير في بيئة العمل.

الأخطر من ذلك هو غياب روح العمل وأخلاقه. العمل ليس مجرد أرقام وإنجاز مؤقت. هو رسالة تقوم على الاحترام، الصدق، والإخلاص. وحين يصبح التركيز على "كيف نضغط أكثر" بدلاً من "كيف نمكّن أكثر"، نخسر الإبداع والولاء، ونخسر سمعة المؤسسة نفسها. المواطن السعودي النزيه في القطاع الخاص هو واجهة للوطن. معاملته تنعكس مباشرة على صورة المملكة أمام العالم.

الحل لا يكون بمعاداة القطاع الخاص، فهو شريك أساسي في التنمية وتحقيق مستهدفات الرؤية. المطلوب هو التوازن: حرية إدارية للمؤسسات مقابل حماية حقيقية للموظف. وهذا لا يتحقق إلا بتفعيل دور الجهات الرقابية المحايدة، وتسريع البت في الشكاوى العمالية، وترسيخ ثقافة أن الاحترام لا ينتقص من سلطة المدير، بل يزيدها هيبة وتأثيراً.

الموظف السعودي لا يطلب مجاملة ولا استثناء. يطلب إنصافاً بسيطاً يعينه على أداء عمله بكرامة. ومع قرارات التوطين الجارية، أصبحت الفرصة سانحة لبناء علاقة عمل صحية قائمة على الثقة والعدل. وإذا أردنا اقتصاداً قوياً ومستداماً، فليبدأ الإنصاف من الميدان، حيث يقف الموظف البسيط كل يوم، صامتاً، لكنه يبني هذا الوطن بصبره وعمله.