بقلم- لواء م عبدالله العرابي الحارثي
في الفترة الأخيرة، بدأت بعض الأندية الرياضية تنزلق نحو خطابٍ يتكئ على الانتماءات القبلية والمناطقية، محاولةً استثارة مشاعر “الفزعة” واستدعاء الإرث الاجتماعي بوصفه محفّزًا للتشجيع والدعم. هذا التوجه، وإن بدا في ظاهره وسيلة تسويقية عابرةلجذب الجماهير وتحفيزهم ، إلا أنه في جوهره يعيد إنتاج مفاهيم ضيقة لا تنسجم مع طبيعة الرياضة الحديثة ولا مع الهوية الوطنية الجامعة التي رسّختها الدولة عبر عقود من البناء والتوحيد.
الرياضة، في أصلها، مساحة تنافس شريف، ومجال مفتوح لكل فرد ليختار النادي الذي يمثّل ميوله وشغفه، لا انتماءه القبلي أو الجغرافي. حين يُختزل التشجيع في إطار “أبناء القبيلة” أو “أبناء المنطقة”، فإننا لا نرتقي بالرياضة، بل نعيدها إلى مربعات التعصب الأولى، ونحوّلها من ساحة للتلاقي إلى منصة للاستقطاب. والأسوأ من ذلك أن هذا الخطاب قد يزرع بذور الفرقة بين أبناء المجتمع الواحد، ويغذي حساسيات كامنة لا حاجة لنا بإيقاظها.
المملكة العربية السعودية قامت على مشروع وحدوي عظيم، أذاب الفوارق، وجعل من التنوع الاجتماعي مصدر قوة لا أداة انقسام. اليوم، لم تعد القبيلة إطارًا للتنازع، بل مكوّنًا ثقافيًا يُعتز به ضمن هوية وطنية أشمل. ومن هذا المنطلق، فإن ربط الأندية بانتماءات قبلية أو مناطقية يتناقض مع هذا المسار، ويضعف من قيمة الرياضة كأداة لتعزيز الوحدة والانتماء الوطني.
كما أن هذا النهج يظلم الأندية نفسها، إذ يحصر جماهيرها في نطاق ضيق، بدل أن تنفتح على جمهور وطني واسع، متنوع الاهتمامات والانتماءات. الأندية الكبرى لم تصنع تاريخها عبر استقطاب أبناء منطقة بعينها، بل من خلال الأداء، والإنجاز، والهوية الرياضية الجاذبة لكل محب للرياضة، أينما كان.
إن المسؤولية هنا لا تقف عند حدود الأندية، بل تمتد لتشمل المجتمع بكل مكوناته و أطيافه، ونخبه ومثقفيه، والإعلام بمختلف منصاته، وصنّاع المحتوى، والجمهور على حدٍ سواء؛ فإما أن نرتقي بالخطاب الرياضي ليكون رافدًا أصيلًا للوحدة الوطنية، يعزّز تماسك النسيج الاجتماعي ويعضد أواصره، أو نتركه لاقدر الله ينزلق إلى مساحات تضيق بالانتماء وتوسّع فجوة الفرقة، وهو ما لا يليق بوعي مجتمعٍ اختار وحدته نهجًا ومصيره
الرياضة في المملكة يجب أن تبقى كما أرادها دولتنا أيدها الله وقيادتنا الرشيدة حفظها : جسرًا للتلاقي، ومنصة للفخر الوطني، ومجالًا يتسع للجميع دون تمييز متعة وصحة وسعادة . وكل محاولة لجرّها نحو القبلية أو المناطقية، هي خطوة إلى الخلف في زمنٍ تمضي فيه الدولة بثبات نحو المستقبل، بهوية واحدة، وراية واحدة، ومصير مشترك.