الكاتب :
التاريخ: ٢٨ ابريل-٢٠٢٦       3355

وائل العتيبي . متابعات 

في قلب العاصمة موسكو، لم يكن المعرض مجرد جدرانٍ تحمل صورًا ووثائق، بل كان ذاكرةً كاملة تُفتح أمام الزوار، تحكي بصمتٍ مهيب قصة مئة عام من العلاقات بين المملكة العربية السعودية وروسيا الاتحادية؛ قصة بدأت مبكرًا، وتستمر اليوم بثقلٍ دولي وشراكةٍ تتجاوز حدود السياسة إلى عمق الثقافة والإنسان.

المعرض، الذي أقامته وزارة الخارجية الروسية بالتعاون مع دارة الملك عبدالعزيز، لم يأتِ بوصفه فعالية احتفالية عابرة، بل كعملٍ توثيقي بصري يعيد قراءة التاريخ، ويستدعي لحظات مفصلية منذ عام 1926، حين كانت روسيا (الاتحاد السوفيتي آنذاك) من أوائل الدول التي اعترفت بالمملكة، لتبدأ رحلة دبلوماسية مبكرة شكّلت أحد النماذج النادرة للتواصل بين عالمين مختلفين، جمعتهما المصالح والرؤى المشتركة.

وسط هذا الامتداد التاريخي، بدت الصور المعروضة كأنها تنبض بالحياة؛ ملوك وقادة، لقاءات رسمية، توقيعات واتفاقيات، ومحطات مفصلية صنعت مسار علاقة لم تتوقف عند حدود السياسة، بل امتدت إلى الاقتصاد والطاقة والثقافة والسياحة والرياضة. وفي هذا السياق، أكد السفير سامي بن محمد السدحان أن المعرض يمثل قراءة بصرية لمسيرة قرنٍ كامل، ويجسد ذاكرة دبلوماسية غنية بالإنجازات والمبادرات، مشيرًا إلى أن هذه الذكرى ليست مجرد استحضار للماضي، بل منصة لانطلاقة جديدة نحو شراكات أكثر عمقًا.

من جانبه، أشار نائب وزير الخارجية الروسي غيورغي بوريسينكو إلى مؤشرات ملموسة تعكس تسارع وتيرة التعاون، من بينها ارتفاع الرحلات الجوية بين البلدين بنسبة لافتة خلال عام 2025، في دلالة واضحة على تنامي الحراك السياحي والاقتصادي، إلى جانب الإعلان عن دخول اتفاقية الإعفاء المتبادل من التأشيرات حيز التنفيذ قريبًا، وهي خطوة تحمل بُعدًا إنسانيًا يعزز التواصل بين الشعبين قبل أي شيء آخر.

ولعل ما يمنح هذا المعرض قيمته الاستثنائية، أنه لا يكتفي بسرد الماضي، بل يعيد تعريف العلاقة في سياقها المعاصر؛ فالعلاقات السعودية–الروسية اليوم تُعد من الركائز المؤثرة في استقرار أسواق الطاقة العالمية، خاصة عبر التنسيق ضمن تحالف أوبك بلس، كما تمتد إلى قضايا إقليمية ودولية تتطلب قدرًا عاليًا من التفاهم السياسي والتوازن الاستراتيجي.

وإذا كانت الزيارات المتبادلة بين قيادتي البلدين قد رسّخت هذا المسار، فإن لحظات مثل زيارة فلاديمير بوتين إلى المملكة عام 2007، ومشاركة محمد بن سلمان في منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي، شكلت نقاط تحول عززت من عمق الشراكة، وفتحت آفاقًا جديدة للتعاون متعدد الأبعاد.
المعرض، في جوهره، ليس مجرد احتفاء بمرور مئة عام، بل رسالة مزدوجة: الأولى وفاءٌ لذاكرةٍ دبلوماسية صنعتها الحكمة والتدرج، والثانية إعلانٌ عن قرنٍ جديد يُبنى على أسس أكثر تنوعًا ومرونة في عالمٍ متغير. هنا، تتجاور الصورة مع الوثيقة، والتاريخ مع الطموح، ليُقال بصمتٍ بليغ: إن ما بين الرياض وموسكو لم يكن يومًا علاقة عابرة، بل حكاية مستمرة… تُكتب فصولها القادمة الآن.