الكاتب : النهار
التاريخ: ١٦ ابريل-٢٠٢٦       3080

الرياض - النهار - عجاب الحنتوشي

ما حدث مع  رابح صقر  في حفله الأخير في جدة يعيد فتح ملف مهم وحسّاس في المشهد الإعلامي: حدود المهنية في التغطيات الميدانية، ومسؤولية المنصات الإعلامية تجاه ضيوفها وجمهورها على حد سواء.

الإعلام ليس مجرد نقل لحظة، بل هو صناعة وعي وصياغة صورة. وعندما يتحول اللقاء الميداني إلى مساحة لطرح تقييمات عشوائية أو أسئلة غير مدروسة، فإن ذلك لا يُعد جرأة مهنية كما قد يُعتقد، بل انزلاقًا واضحًا في معايير العمل الإعلامي. فالتقييم، بطبيعته، يحتاج إلى أدوات ومعايير وخلفية معرفية، وليس إلى ارتجال لحظي أمام الكاميرا.

في الحالة التي طالت رابح صقر، بدا المشهد أقرب إلى محاولة إثارة أو لفت انتباه، أكثر من كونه طرحًا إعلاميًا واعيًا. الفنان الذي يمتلك تاريخًا طويلًا وجمهورًا عريضًا، لا يمكن اختزاله في سؤال سطحي أو تقييم سريع يفتقر للسياق. رابح يظل رابح… تاريخ فني ممتد لا يُقاس بلحظة عابرة أو انطباع سريع.

هنا لا تكمن المشكلة في النقد بحد ذاته، فالنقد مطلوب، بل في طريقة تقديمه وأدواته وتوقيته، خصوصًا عندما يُبنى على آراء الشارع دون الاستناد إلى قراءة فنية حقيقية. فالرموز الفنية لا تُقيّم عبر لقاءات مرتجلة، بل من خلال مختصين يدركون تاريخ التجربة الفنية وأبعادها.

الأخطر من ذلك أن مثل هذه الممارسات لا تُحسب على الفرد فقط، بل تنعكس مباشرة على الجهة الإعلامية التي يمثلها. الكيان الإعلامي هو من يمنح المصداقية، وهو من يُفترض أن يضع الضوابط المهنية، ويُدرّب كوادره على كيفية إدارة الحوار واحترام الضيف، خصوصًا في الفعاليات الجماهيرية الكبرى. وبالتالي، فإن أي سقطة ميدانية تُعد إخفاقًا مؤسسيًا قبل أن تكون خطأً فرديًا.

كما أن هذه التصرفات تُسيء إلى صورة الإعلام المحلي أمام الجمهور، الذي أصبح أكثر وعيًا وتمييزًا بين المحتوى المهني والمحتوى السطحي. وفي ظل ما طُرح في بعض التغطيات، كان من الأجدر أن يكون الطرح أكثر توازنًا، بعيدًا عن العناوين التي قد تُفهم على أنها انتقاص من قيمة رمز فني سعودي.

في زمن تتسابق فيه المنصات على كسب الثقة، يصبح الالتزام بالمعايير المهنية ليس خيارًا، بل ضرورة، لأن العدالة الإعلامية لا تكتمل دون إنصاف القامات الفنية وعدم التقليل من تاريخها.

المطلوب اليوم هو إعادة التأكيد على أساسيات العمل الإعلامي:
الإعداد الجيد، فهم طبيعة الحدث، احترام الضيف، والتمييز بين النقد المهني والإثارة الفارغة. فالإعلام الحقيقي لا يبحث عن “ترند” عابر، بل يصنع قيمة تبقى.

وفي النهاية، تبقى مثل هذه الحوادث فرصة للمراجعة والتصحيح، لأن الإعلام القوي لا يُقاس بعدد متابعيه فقط، بل بقدرته على الحفاظ على مهنية خطابه واحترامه لعقول جمهوره.