بقلم - حذامي محجوب
في أزمنة الأزمات ، حيث يتداخل الضجيج بالحقيقة وتتصادم الروايات ، لا يعود الوعي الجمعي معطى جاهزا ، بل يتحوّل إلى ميدان صراع مفتوح .
عند هذه النقطة بالذات ، تتعاظم المسؤولية التاريخية للمثقّف ومراكز الدراسات ، لا بوصفهم منتجي خطاب فحسب ، بل بصفتهم حُرّاسًا للمعنى ومهندسيا لإدراك أكثر اتزانًا .
فالأزمات، مهما اختلفت طبيعتها ، سياسية كانت أو اقتصادية أو صحية ، تُربك البوصلة العامة ، وتُفسح المجال أمام التأويل المتسرّع ، والشائعات ، والتوظيف الأيديولوجي للوقائع .
وتقدّم الحرب الدائرة في الشرق الأوسط مثالا فادحا على هذا الارتباك ، إذ تتدفق الأخبار من كل صوب ، وتتشابك السرديات بين روايات رسمية ، وأخرى إعلامية ، وثالثة شعبية عبر منصّات التواصل ، حتى يكاد المتلقي يفقد قدرته على التمييز بين الحقيقة وتأويلها ، بين الخبر وصناعته .
في هذا المشهد المأزوم ، لا يكفي أن يكتفي المثقّف بدور المراقب أو المعلّق .
بل يُصبح مطالبًا بالانخراط الفاعل في تفكيك السرديات الزائفة ، وإعادة تركيب الواقع على أسس عقلانية تُعيد للمجتمع قدرته على الفهم واتخاذ الموقف .
فالحروب لا تُخاض في الميدان وحده ، بل في الفضاء الرمزي أيضا ، حيث تُصاغ الصور ، وتُبنى القناعات ، ويُعاد تشكيل الوعي الجماعي .
أولى مهام المثقّف في هذا السياق هي مقاومة التبسيط المُخلّ .
فتعقيدات المشهد في الشرق الأوسط ، بما تختزنه من طبقات تاريخية وجيوسياسية ، لا يمكن اختزالها في ثنائيات سطحية أو شعارات جاهزة .
وكل اختزال من هذا النوع لا يُنير الوعي ، بل يُضلّله .
من هنا، يغدو الاشتغال على تعقيد الفهم ، لا تبسيطه ، فعلا أخلاقيًا بامتياز .
أما مراكز الدراسات ، فهي اليوم أمام اختبار حقيقي . إذ ينتظر منها أن تُنتج قراءات معمّقة تتجاوز الانفعال اللحظي ، وتُضيء السياقات والخلفيات .
ففي زمن تسارع الأحداث ، تشتدّ الحاجة إلى تحليل رصين يربط الوقائع ببعضها ، ويكشف شبكة المصالح المتداخلة ، ويضع كل حدث في إطاره الأوسع .
غير أن هذا الدور يفقد جدواه إن ظلّ حبيس التقارير المغلقة ، بعيدا عن الفضاء العام . فالمعرفة التي لا تصل إلى الناس ، لا تُسهم في بناء وعيهم .
غير أن أداء هذا الدور يظل مشروطا بالاستقلالية .
ففي ظل الاستقطاب الحاد الذي تفرزه الحروب ، يتعرّض المثقّف ومراكز الدراسات لضغوط تدفعهم إلى الانحياز أو تبنّي روايات جاهزة .
وهنا يبرز الاختبار الأعمق : هل يظلّ المثقّف وفيًا لضميره النقدي ، أم يتحوّل إلى صدى لخطاب سياسي أو إعلامي ؟، وهل تحافظ مراكز الدراسات على نزاهتها المعرفية، أم تنزلق إلى إعادة إنتاج السرديات السائدة ؟ .
ثم إن بناء الوعي المجتمعي لا يعني فرض رؤية واحدة ، بل يستوجب فتح المجال أمام تعددية مسؤولة تُثري النقاش دون أن تُغرقه في الفوضى .
فقد كشفت الحرب الراهنة كيف يمكن للاختلاف أن يتحوّل إلى انقسام حاد حين تغيب الأطر العقلانية للحوار .
وهنا يتجلى دور المثقّف في تهذيب الاختلاف ، وتحويله من عامل تفكك إلى مصدر إثراء.
ويبقى التحدي الأشدّ حساسية هو التمييز بين التفسير والتبرير .
ففهم ما يجري لا يعني تبرير العنف أو شرعنته، بل يستدعي موقفا أخلاقيا واضحا يرفض تحويل التحليل إلى غطاء للانحياز .
عند هذه النقطة يتحدد الفارق بين مثقّف يُنير الوعي ، وآخر يُضلّله ، بين من يبني نقدًا مسؤولا ، ومن يُغذّي الانقسام .
في المحصّلة، تكشف أزمات الشرق الأوسط اليوم أن معركة الوعي لا تقلّ أهمية عن معركة الميدان .
فحين تشتدّ الأزمات ، يتّسع دور المثقّف ، لا باعتباره صوتًا مرتفعًا في الجدل ، بل كضمير نقدي يعيد ترتيب الأولويات ، ويمنح المجتمع أدوات الفهم بدل أوهام اليقين .
أما مراكز الدراسات ، فإنها مدعوّة إلى مغادرة أبراجها العاجية ، لتكون فاعلا في معركة الوعي ، لا مجرّد شاهد عليها .