النهار
بقلم:عبدالله الكناني- النهار
يُجسّد المشهد الخليجي، في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة، نموذجًا سياسيًا متزنًا يجمع بين الحكمة في إدارة الأزمات والصلابة في حماية السيادة.*
ويعكس هذا النهج تراكمًا في الخبرة السياسية ورؤية استراتيجية تتعامل مع تعقيدات المنطقة بوعي عميق، بعيدًا عن ردود الفعل الآنية.
هنا يبرز ما يُشير إليه معالي جاسم محمد البديوي، الأمين العام لـ مجلس التعاون لدول الخليج العربية ،خلال الإيجاز الصحفي بمقر الأمانة العامة بالرياض ، واصفا هذا النهج بأنه امتدادًا لموقف خليجي ثابت يسعى إلى احتواء التصعيد وتفادي الانزلاق إلى صراعات مفتوحة، مع تأكيد أن دول المجلس لا تنظر لنفسها كطرف في النزاعات بقدر ما تسعى لأن تكون عنصر توازن واستقرار.
يُدرك المتابع أن تأكيد دول الخليج على حماية الممرات البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، لا يندرج فقط ضمن الدفاع عن مصالحها المباشرة، بل يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الترابط بين أمن المنطقة واستقرار الاقتصاد العالمي.
ويُعدّ أي تهديد لحرية الملاحة، في هذا السياق، تجاوزًا لقواعد دولية مستقرة لا يمكن التعامل معه بوصفه شأنًا عابرًا.
يُلاحظ أن دول الخليج العربي، رغم ما تواجهه المنطقة من ممارسات تُسهم في رفع منسوب التوتر، تُواصل تبني خطاب سياسي يتسم بضبط النفس، دون أن يعني ذلك القبول بالأمر الواقع أو التغاضي عن التهديدات.
وتسعى هذه الدول إلى تحقيق توازن دقيق بين تجنب التصعيد من جهة، والحفاظ على جاهزية عالية للردع من جهة أخرى.
يستند النهج الخليجي إلى منظومة قيمية واضحة تُعلي من مبدأ احترام سيادة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتسعى إلى بناء علاقات قائمة على حسن الجوار والتعاون.
ولا ينفصل هذا التوجه عن إدراك متزايد لأهمية تعزيز القدرات الدفاعية وتكثيف التنسيق المشترك، في ظل بيئة إقليمية تتسم بعدم الاستقرار.
تُبرز هنا المملكة العربية السعودية بوصفها لاعبًا محوريًا في صياغة هذا التوازن، إذ تقود جهودًا دبلوماسية فاعلة تهدف إلى خفض التصعيد وتعزيز فرص الحلول السياسية، مستفيدة من ثقلها الإقليمي ومكانتها الدولية، وهو ما يمنح التحرك الخليجي بعدًا أكثر تأثيرًا.
يُفهم الخطاب الخليجي الموجّه إلى المجتمع الدولي باعتباره دعوة لإعادة ضبط بوصلة التعاطي مع أزمات المنطقة، من خلال تبني مواقف أكثر صرامة تجاه السلوكيات التي تُهدد الاستقرار، مع التأكيد على أهمية إشراك دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في أي مسارات تفاوضية، باعتبارها طرفًا أصيلًا في معادلة الأمن الإقليمي.
الموقف الخليجي يرفض بشكل قاطع تحويل أراضيه إلى ساحات لتصفية الصراعات، ويُشدّد على أن هذا الرفض ينبع من إدراك عميق لخطورة الانزلاق إلى صراعات بالوكالة وما تحمله من تداعيات تمس أمن الدول واستقرارها.
بهذا نقف على أن دول الخليج العربي تُقدّم نموذجًا سياسيًا يقوم على معادلة دقيقة: التمسك بخيار السلام كمسار استراتيجي، رغم امتلاكها لقوة ضاربة، ولكنها تمضي في الحفاظ والتصدي بقدرة ردع فعّالة تحمي السيادة وتمنع أي محاولات لفرض واقع جديد بالقوة.
وفي ظل هذا التوازن، يتشكل موقف خليجي واضح المعالم، لا ينزلق إلى المواجهة، ولا يتهاون في حماية المصالح العليا*.