النهار
بقلم - طارق محمود نواب
ليس كلُّ من امتلك حسابًا… امتلك قيمة، ولا كلُّ من كتب سطرًا… كتب أثرًا.
ففي هذا العصر الذي استُبيحت فيه المنابر، وأُلغيت فيه الحواجز بين القول ومسؤوليته، فلم يعد السؤال من يتكلم؟ بل ماذا يُقال؟ وكيف يُقال؟ ولماذا يُقال؟ فقد تحوّلت المساحات الرقمية إلى فضاءاتٍ هلامية، تتكاثر فيها الأصوات كما تتكاثر الظلال عند الغروب، طويلة… لكنها بلا حقيقة تُلامس الأرض.
وهنا، لا يعود الضجيج استثناءً، بل قاعدة، ولا يعود الفراغ طارئًا، بل حالة مستدامة تُدار بمهارة.
ففي هذا المشهد، يظهر أولئك الذين لا يمكن وصفهم إلا بأنهم "أقزام مواقع التواصل"؟ لا لأنهم بلا حضور، بل لأن حضورهم بلا وزن، ولا لأنهم بلا صوت، بل لأن أصواتهم لا تحمل إلا صدى خوائهم.
حيث إنهم لا يكتبون ليُضيفوا، بل ليُزاحموا، ولا يُجادلون ليصلوا، بل ليُثبتوا أنهم موجودون، ولو على حساب المعنى. فتراهم يتقنون فنّ التشويش، لا فنّ التعبير، ويُحسنون صناعة الإثارة، لا بناء الفكرة، ويجيدون القفز على السياقات، لا الغوص في عمقها.
وهؤلاء لا يعانون من قلة الأدوات، بل من غياب البوصلة، فالكلمة عندهم ليست مسؤولية بل وسيلة استهلاك، والرأي ليس اجتهادًا بل ردّة فعل سريعة، والحوار ليس بحثًا عن الحقيقة بل ساحة استعراض.
ولأنهم يدركون في أعماقهم هشاشتهم، فإنهم يلجؤون إلى تضخيمٍ وهمي حيث يرفعون أصواتهم ليغطّوا على ضآلة المعنى، ويستعيرون حدّة النبرة ليُخفوا فقر الفكرة، ويُكثرون من الهجوم لأن البناء يتطلب ما لا يملكونه.
إنهم يخلطون بين الجرأة والوقاحة، وبين الحضور والتطفل، وبين التأثير والإزعاج.
فكلما عجزوا عن إنتاج فكرة أنتجوا خصومة، وكلما افتقدوا الحجة استدعوا الشخصنة، وكلما ضاق أفقهم… اتسعت دائرة هجومهم.
لكن المأساة الحقيقية لا تكمن في وجودهم، بل في ذلك الوهم الجماعي الذي يمنحهم شرعية مؤقتة، حيث تُقاس القيمة بعدد الإعجابات، وتُختزل الهيبة في حجم التفاعل، ويُظن أن الانتشار دليل على الاستحقاق.
وهنا، تتشوّه الموازين، فالكلمة الثقيلة التي تحتاج تأمّلًا تُهمَل، والفكرة العميقة التي تتطلب صبرًا تُقصى، بينما يتقدّم السطح لأنه أسرع وأسهل وأعلى ضجيجًا.
غير أن الزمن وإن بدا متواطئًا مع الضجيج فانه لايزال يملك حاسةً خفية للفرز، فما يُبنى على الصخب ينهار عند أول اختبار، وما يُشيَّد على المعنى يبقى، حتى وإن تأخر ظهوره.
إن القامات لا تُقاس بما يُقال عنها، بل بما تتركه بعد أن ينتهي الكلام.
فكم من حسابٍ ملأ الفضاء صخبًا ثم اختفى كأنه لم يكن، وكم من كلمةٍ قيلت بهدوء فبقيت كأنها قيلت الآن.
فالكبار لا ينشغلون بإثبات حضورهم، لأن حضورهم مُتحقّق بفعل ما يُنتجون. فلا يرفعون أصواتهم لأن الفكرة الجيدة لا تحتاج صراخًا، ولا يهاجمون لأن البناء أبلغ من الهدم.
أما الأقزام، فيبقون أسرى لحظةٍ عابرة، يتنقلون بين جدلٍ وآخر، ويظنون أنهم يصنعون مجدًا، بينما هم في الحقيقة يستهلكون ما تبقى من صبر المتلقي.
وبين هؤلاء وهؤلاء، يقف المتلقي أمام اختبارٍ صامت، فهل ينحاز إلى الضجيج لأنه أسهل؟ أم إلى المعنى لأنه أبقى؟ وفي النهاية، ليست كل الأصوات جديرة بالإنصات، ولا كل الحضور مستحقًا للمتابعة.
فاختر أن تكون ممن يُضيفون، لا ممن يُزاحمون، وممن يتركون أثرًا لا ممن يتركون ضجيجًا, لأن البصمة تُخلّد، أما الضجيج فينطفئ، مهما طال صداه.