الكاتب : النهار
التاريخ: ٢١ مارس-٢٠٢٦       10890

بقلم - جمعان الكرت

عيد القرية يختلف عن أعياد جميع مجتمعات الدنيا..
عيدٌ أبيض، مشعّ، مبارك..
الأطفال يرتلون أناشيد الطهر،
وأصابعهم الصغيرة تنزّ منها البراءة..
جبال القرية تلبس قطيفة خضراء بعد مداعبة لطيفة من هتان الخير.
صبيان القرية يتمردون على كل القوانين والأنظمة؛ فقط يهمهم أن ينثروا الفرح والبهجة في جنبات القرية
أناشيد الطهر تسقط كالمطر،
تتلقفها أفواه صغيرة.. تصبح كالحليب.
تسير المساريب خلف أقدام الأطفال.. لك أن تتخيل ذلك.
الأشجار ترقص، والأغصان أيضًا،
والطيور والشياه تغني،
ونبات الطباق اللزج يعقد علاقة مع الشمس، خصوصًا في الصباحات الباكرة.
القرية تدخل احتفالية استثنائية،
تمتد الطفولة كالجذور،
المرأة تتحول إلى ضوع ورود، والرجل يغدو سنبلة قمح.
القرية تربي أطفالها على الطهر والنقاء،
القرية زهرة جبلية بيضاء.
للقرية في العيد غناء جميل يمتزج مع زقزقة العصافير الملونة.
رائعة القصيدة التي تنشدها القرية؛
هي من علّم الشاعر الوزن والقافية وبحور الشعر،
وهي من علّمت النساء كيف يضعن أصابعهن في العجين ليصبح خبزًا طريًا،
وتزين كفوفهن بالحناء لتغدو قصائد عشق.
هذّبت الرجال وعلّمتهم أن النساء أجمل مخلوقات الأرض وأطهرهن.
القرية هي المدرسة التي لم يُكتب في صدرها حرف واحد.
لم تغب أيام الأعياد عن ذاكرتي؛ إذ تظهر على شكل باقات من الورد، تلك المساحات الخضراء التي تعتلي الوجوه، وتلك الابتسامات الصادقة التي يراها الجميع: كبيرًا وصغيرًا، رجلًا وامرأة.
يرتقب الأهالي العيد عن طريق المذياع، وما إن يصدر نبأ دخوله حتى ينبري البعض إلى أسطح منازلهم ليطلقوا الأعيرة النارية ابتهاجًا وفرحًا وإعلامًا للجميع، فيما يتجمع عدد من الشباب فوق قمم وسفوح الجبال، ومن بينها سفح جبل القابل وجبل الحبناء، ليشعلوا النيران، ويتناقل سكان القرى الخبر عند رؤية المشاعل.
لليلة العيد بهجة تفوق كل شيء، فرح كالضوء الأبيض يتجلى في تقاسيم الوجوه في طلائع الفجر؛ إذ يبكر الأهالي وحدانًا وزرافات إلى المشهد «مصلى العيد» الذي يرتقي جبل القردود.
تفيض خطبة العيد بكلمات دافئة تحث على التعاون والتحابب، إمام القرية بوجهه البهي وعلمه الغزير وفقهه العميق يوصي الناس بنبذ الخلاف ويدعو إلى التسامح والتواد.
بعدها يتجه بعض الأهالي إلى المقابر، مقرئين الفاتحة والسلام على الموتى؛ ارتباط إيماني وروحي لمن فقدوهم في سنوات مضت.
استرجعت شريط ذكريات التجوال بين المنازل؛ برقت في ذهني صورة صحون صغيرة مليئة بالتمر وقطع الحلوى، بجوارها طاسة مليئة بالسمن يحفها كسر من خبز الحنطة السمراء. تمتد الأيدي لقطع الحلوى التي تروق لأفواه الأطفال وتسيل لعابهم.
انداحت تلك الصورة حين لمحت سوق الأحد برغدان، لأدخل في صورة تخيلية أخرى؛ القرية تبتل مفاصلها بالسعادة، تهتز لها الأشجار والأغصان والأحجار.
ولثوب العيد قصة ما زالت تلتمع في ذاكرتي؛ الثوب سمني اللون، خاطته واحدة من نساء القرية الشريفات، وكان تفصيله لا يخضع لعلم درسته أو مهارة تدربت عليها، بل كان بالوهمة؛ المقص هو الفيصل، وسن ماكينة الخياط يباشر في لملمة قطع القماش.
تارة يكون الثوب فضفاضًا يصلح لشقيقي الأكبر، وأخرى يصل إلى منتصف ساقي، والمشبك المعدني الصغير يقفل فرجة الصدر الواسعة.
يضع الأطفال ثيابهم بجوار فراشهم كأثمن الأشياء في حياتهم، وما إن يصيح الديك حتى تبدأ رحلاتهم المكوكية في التجوال داخل منازل القرية.