الكاتب : النهار
التاريخ: ١٤ مارس-٢٠٢٦       10725

بقلم - د. نورة أحمد الملحم

يتوهم الإنسان – وهو يقرأ الأخبار أو يتصفح التاريخ – أنه يعيش زمناً مفعماً بالأحداث غير المسبوقة؛ جرائم لم تقع مثلها، وصراعات سياسية لا تشبه ما قبلها، وقصص حب أو خصومة يظن أصحابها أنها فريدة في نوعها. غير أن التأمل الهادئ يكشف حقيقة مختلفة: فالبشر، منذ فجر الخليقة، لا يبتكرون قصصاً جديدة بقدر ما يعيدون رواية الحكايات الأولى بصيغ متجددة.

ولهذا تنتشر بين الأدباء والدارسين مقولة متداولة تقول إن كل ما في العالم من قصص يعود في جوهره إلى نحو خمسٍ وعشرين قصة أصلية، وأن ما نراه بعد ذلك ليس إلا تنويعات لا تنتهي على هذه الأصول القديمة. وقد وردت هذه الفكرة بصيغ مختلفة في النقد الأدبي، إذ حاول كثير من الباحثين حصر “الأنماط الكبرى” التي تدور حولها كل الحكايات الإنسانية.

من أبرز من تناول هذه الفكرة الناقد الفرنسي Georges Polti، الذي رأى في كتابه المواقف الدرامية الستة والثلاثون أن الأدب والمسرح والتاريخ يمكن ردّهما إلى ستة وثلاثين موقفاً إنسانياً أساسياً، تتكرر بصور مختلفة في كل الأزمنة.

وفي اتجاه قريب، ذهب الناقد والباحث البريطاني Christopher Booker إلى أن جميع القصص في الأدب العالمي يمكن ردّها إلى سبع حبكات كبرى فقط، يعيد الأدب إنتاجها عبر العصور، وهي:
    1.    التغلب على الوحش: حيث يواجه البطل قوة شريرة أو خطراً عظيماً ويغلبه.
    2.    من الفقر إلى الغنى: قصة الصعود والتحول من الضعف إلى المجد.
    3.    البحث أو الرحلة: حين ينطلق البطل في رحلة طويلة بحثاً عن هدف أو كنز أو حقيقة.
    4.    الرحلة والعودة: خروج إلى عالم غريب ثم عودة إلى الوطن بعد تجربة تغيّر البطل.
    5.    الكوميديا: صراعات وتعقيدات تنتهي بالصلح والاجتماع والسعادة.
    6.    المأساة: سقوط البطل بسبب خطأ أو ضعف داخلي يقوده إلى الهلاك.
    7.    البعث أو التجدد: حين يمر البطل بحالة موت معنوي أو ظلمة ثم ينهض إلى حياة جديدة.

أما في الدراسات الأسطورية، فقد رأى الباحث الأمريكي Joseph Campbell أن كثيراً من حكايات الشعوب تقوم على ما سمّاه “رحلة البطل”؛ حيث يغادر الإنسان عالمه، ويخوض تجربة أو محنة، ثم يعود متحولاً أو أكثر حكمة.

هذه المحاولات جميعها تشير إلى حقيقة واحدة:
أن النفس الإنسانية محدودة في مشاعرها الكبرى، ولذلك تتكرر القصص التي تعبّر عنها.

ولهذا فإن المتأمل في الحياة يرى أن الأحداث المتجددة ليست في حقيقتها إلا أصداءً لقصص ثابتة ضاربة في القدم.

فكلما اشتعلت نار الغيرة بين إنسان وأخيه، وكلما دفع الحسد قلباً إلى الظلم، فإن التاريخ يفتح من جديد الصفحة الأولى من قصة البشر: قصة هابيل وقابيل. هناك بدأت الحكاية، حين عجز قلب عن احتمال فضل أخيه، فرفع يده عليه. ومنذ تلك اللحظة، لم تتوقف البشرية عن إعادة تمثيل المشهد نفسه؛ تتغير الوجوه، وتختلف الأزمنة، لكن الحسد يظل هو الحسد، والدم المراق هو الامتداد البعيد لذلك الدم الأول.

وحين يقف في التاريخ طاغية يرى نفسه فوق الناس، يملك الأرض ويستعبد البشر، ثم ينهض في وجهه صوت الحق، ضعيفاً في الظاهر قويّاً في الحقيقة، فإننا لا نشهد حادثة سياسية عابرة، بل نرى من جديد قصة موسى وفرعون. فكم من فرعون مرّ في التاريخ بأسماء شتى، وكم من صوت حقٍ وقف أمامه يحمل كلمة لا سيفاً، لكن المعركة في جوهرها واحدة: صراع بين الغرور والرسالة، بين القوة المادية واليقين.

وإذا ضاقت القلوب داخل البيوت نفسها، واشتعلت الغيرة بين الإخوة، وتحوّل القرب إلى خصومة، فإن القصة تعود بنا إلى يوسف وإخوته. تلك الحكاية التي كشفت أن أقسى المنافسات قد تولد أحياناً في أكثر الأماكن حميمية: داخل الأسرة. ومع ذلك، فإنها تعلم أيضاً أن الزمن قد يحوّل الجراح إلى حكمة، وأن ما يبدأ بالحسد قد ينتهي بالعفو.

بهذا المعنى تبدو الحياة كأنها مسرح واسع لقصص قليلة تتكرر بلا انقطاع. فالمجرم الذي يقتل بدافع الغيرة، والسياسي الذي يستبد بسلطانه، والأخ الذي يحسد أخاه، والبطل الذي ينهض بعد سقوطه… كلهم، من حيث لا يشعرون، يعيدون تمثيل الحكايات الأولى التي كُتبت في فجر التاريخ.

غير أن هذه السنن لا تظهر في حياة الأفراد فحسب، بل تمتد أيضاً إلى حياة الأمم والدول. فالتاريخ السياسي، مثل الأدب تماماً، يعيد إنتاج أنماط الصراع والبناء نفسها. فهناك دائماً قوى تسعى إلى توسيع نفوذها، وأخرى تعمل على حماية استقرارها وصيانة سيادتها. وبين هذين المسارين تتكرر قصة قديمة قدم التاريخ: صراع الطموح الجامح مع إرادة الاستقرار.

ومن هذا المنظور يمكن قراءة كثير من الأحداث السياسية التي تشهدها المنطقة اليوم، بما في ذلك التوترات الإقليمية المرتبطة بسياسات إيران في محيطها الجغرافي. فالتاريخ الإقليمي عرف طويلاً تنافس القوى ومحاولات بسط النفوذ، وهو نمط يتكرر في أكثر من عصر وأكثر من مكان.

غير أن اللافت في التجربة السعودية أن المملكة العربية السعودية، منذ أن أسسها عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، لم تبنِ قوتها على الصراع أو التوسع، بل على بناء الدولة وترسيخ الاستقرار. ومع مرور الزمن أصبحت المملكة إحدى ركائز التوازن في المنطقة، وواحدة من الدول التي يُنظر إليها بوصفها عنصر استقرار في محيط كثير التقلبات.

واليوم، في ظل قيادة سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وسمو ولي عهده محمد بن سلمان آل سعود، تمضي المملكة في مسار يجمع بين الحزم في حماية أمنها، والرؤية الاستراتيجية في بناء مستقبلها عبر رؤية السعودية 2030.

ولهذا فإن المواطن السعودي، وهو يتابع ما يجري حوله من توترات إقليمية أو تنافس سياسي بين القوى المختلفة، لا يعيش حالة القلق التي تعيشها كثير من المجتمعات في مناطق النزاع. بل يعيش حالة مختلفة تماماً: حالة من الطمأنينة اليومية.

فالمدارس تعمل، والجامعات تواصل تعليمها، والناس يذهبون إلى أعمالهم، والأسواق تضج بالحياة، والمساجد تمتلئ بالمصلين الذين يؤدون عباداتهم في أمن وهدوء. إن هذه الصورة اليومية البسيطة في ظاهرها تمثل في الحقيقة إنجازاً سياسياً عميقاً: قدرة الدولة على حماية استقرار المجتمع رغم تعقيدات البيئة الإقليمية.

إن المواطن في المملكة يدرك أن خلف هذا الاستقرار منظومة دولة قوية: جيش يحمي الحدود، ومؤسسات أمنية يقظة، ودبلوماسية نشطة، وقيادة سياسية تقرأ التحولات الإقليمية بعين الخبرة والحكمة. ولهذا يشعر الناس بأنهم يمارسون حياتهم الطبيعية بثقة؛ يعملون، ويتعلمون، ويعبدون الله في أمنٍ وطمأنينة، وهم على يقين بأن دولتهم قادرة على حماية هذا الاستقرار وصونه.

وهنا تعود بنا فكرة “الحكايات الكبرى” مرة أخرى. ففي القصص القديمة كان البطل يقف في مواجهة الأخطار ليحمي مدينته أو شعبه. أما في العصر الحديث فإن البطولة قد تتجسد في دولة قوية تحمي أمنها، وتصون استقرار مجتمعها، وتمنح شعبها القدرة على العيش والعمل والعبادة في سكينة.

ولهذا يشعر كثير من السعوديين بأنهم يعيشون فصلاً معاصراً من قصة الاستقرار التي بنتها دولتهم عبر عقود طويلة؛ قصة دولة استطاعت أن تكون قوية دون أن تفقد توازنها، وأن تواجه التحديات دون أن تفقد هدوءها.

إن الاطمئنان الذي يعيشه المجتمع السعودي اليوم ليس وليد اللحظة، بل ثمرة تاريخ طويل من بناء الدولة وتعزيز مؤسساتها، وثمرة ثقة راسخة بين الشعب وقيادته. ولذلك فإن الناس ينظرون إلى ولاة أمرهم لا بوصفهم مجرد قادة سياسيين، بل بوصفهم ركائز أمان تحمي استقرار الوطن.

وفي ضوء هذه الحقيقة يمكن فهم المشهد السعودي المعاصر: مجتمع يمضي في حياته الطبيعية، واقتصاد يتوسع، ومشاريع تنموية كبرى تتشكل في مختلف أنحاء البلاد، في الوقت الذي تبقى فيه الدولة يقظة تجاه كل ما قد يمس أمنها أو استقرارها.

وهكذا تتجدد الحكايات القديمة في صورة جديدة:
ليست حكاية صراعٍ فقط، بل حكاية استقرارٍ بُني عبر الحكمة والقوة معاً.

ولعل في القرآن الكريم ما يضيء هذه الحقيقة بعبارة موجزة عميقة؛ إذ يعرض قصص الأنبياء والأمم لا بوصفها أحداثاً مضت وانتهت، بل بوصفها سنناً تتكرر في حياة البشر. ولذلك جاء ختم تلك القصص بالقول الحكيم:

﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.

وكأن المعنى العميق أن القصص لا تُروى لأن زمنها مضى، بل لأنها تتكرر… ما دام الإنسان هو الإنسان، وما دامت الأمم تواصل كتابة فصولها الجديدة فوق صفحات التاريخ.