بقلم - شفق السريّع - النهار السعودية
حين يُذكر شهر الخير، و تتزيّن القلوب قبل الشوارع بأنوار الطاعة، تتجلّى في الرياض صورةٌ فريدة من صور التراحم و التكافل، حتى صحَّ أن نسمّيها في رمضان: رياض الصالحين..
مدينةٌ لا تكتفي بصخب عمرانها، بل تُزهر فيها القيم، و تتعانق فيها الأيادي البيضاء، في مشاهد اجتماعية تُجسّد روح هذا الشهر المبارك..
- من شمال الرياض إلى جنوبها، و من شرقها إلى غربها، تنتشر خيم إفطار الصائمين في كل حيٍّ تقريبًا.. خيمٌ مفتوحة للمقيمين، و المسافرين، وعابري السبيل، و العمّال، و كل من أدركه الأذان بعيدًا عن منزله..
تجد المتطوعين يستقبلون الصائمين بابتسامة صادقة، يقدّمون التمر و الماء و الوجبات الساخنة، في لوحةٍ تتجسّد فيها معاني الأخوّة الإسلامية، حيث لا فرق بين جنسيةٍ و أخرى، و لا بين غنيٍّ و فقير، بل الجميع يجلسون على مائدةٍ واحدة، يجمعهم دعاء الإفطار و طمأنينة اللحظة..
- و مع اشتداد حرارة النهار، تتضاعف صور البذل. تُوزّع كراتين مياه الشرب مجانًا في المساجد و الشوارع، في مشهدٍ يعكس إدراك الناس لأجر سقي الماء، و هو من أعظم أبواب الصدقة.
ترى الشباب و كبار السن يفرغون حمولات سياراتهم أمام المساجد قبل صلاة المغرب، يبتغون بذلك وجه الله، و يستشعرون لذّة العطاء قبل لذّة الإفطار..
- وعند الإشارات و أماكن التجمع، يقف متطوعون يوزّعون المساويك مجانًا قبيل أذان المغرب. هديةٌ صغيرة في حجمها، عظيمةٌ في معناها؛ إذ تُعين الصائم على السُّنّة، وتُشعره بأن المجتمع من حوله يتكاتف حتى في أدق التفاصيل.
ابتسامةٌ، وكلمة “تقبّل الله”، ومسكٌ في اليد… كفيلة بأن تزرع دفئًا في القلب قبل أن تُعطّر الفم..
- و من أجمل مشاهد رمضان في الرياض، قيام العوائل بإعداد وجبات إفطار وإرسالها للمتعففين، ولعمّال النظافة الذين يواصلون أعمالهم قبيل المغرب.
في أحياء كثيرة، تُطرق الأبواب بهدوء، و تُسلَّم الوجبات دون منٍّ أو أذى، حفاظًا على كرامة المحتاج.. كما يُرى الأطفال يشاركون آباءهم في توزيع الوجبات، فينشأ جيلٌ يتعلّم أن العطاء أسلوب حياة، لا موسمًا عابرًا..
- و مع ازدحام الطرق قبيل الأذان، يقف بعض الشباب عند إشارات المرور، يقدّمون قهوة عربية و تمرةً و ماءً لمن أدركهم وقت الإفطار في سياراتهم،
لحظةٌ إنسانية مؤثرة؛ سائقٌ عالق في الزحام، يُفاجأ بيدٍ تمتدّ إليه بتمرٍ و قهوة، و كأن المدينة بأسرها تقول له: “لست وحدك”..
في تلك الثواني القليلة، تتجلى أسمى معاني التراحم، و يصبح الطريق ساحة أجر، و الإشارة محطة إحسان..
- و لا تقف المشاهد عند ذلك؛ فهناك حملات تفطير في المستشفيات، و توزيع سلال غذائية للأسر المحتاجة، و تنظيم دروسٍ و موائد علم في المساجد، و تطوعٌ شبابيٌّ يملأ الأحياء حيويةً و نشاطًا..
كل زاويةٍ في الرياض تكاد تنطق بأن رمضان ليس مجرد امتناعٍ عن الطعام، بل هو امتلاءٌ بالقيم.
هكذا تبدو الرياض في رمضان… ليست مدينةً من أبراجٍ و طرقٍ واسعة فحسب، بل مدينة قلوبٍ واسعة..
لتكون “رياض الصالحين” بحق، حين يزهر فيها الإحسان، و يتحوّل العطاء إلى عادةٍ يومية، وت صبح كل إشارة مرور، و كل مسجد، و كل بيت، محطةً من محطات الخير..
رمضان في الرياض ليس شهرًا يُرى بالعين فقط، بل يُحَسّ بالقلب… حيث تتسابق الأيادي إلى العطاء، و تتعانق الأرواح على مائدة الرحمة..