النهار

٢٧ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٧ يناير-٢٠٢٦       17215

بقلم - اللواء. م. عبدالله بن ثابت العرابي الحارثي
ليس اللعب على حافة الهاوية توصيفًا مجازيًا بريئًا، بل توصيفٌ دقيق لسلوك إعلامي وسياسي يرقى، في عُرف السلوك الإنساني والعمل الإعلامي الرشيد، إلى فعلٍ انتحاري مكتمل الأركان، وإلى حرقٍ متعمّد للأرض وزرعٍ للشوك في طريق العودة. فبعض الخطابات التي تصدر عن قيادات محسوبة على حكومة أبوظبي، ويجري ترديدها وتضخيمها عبر مغردين ومنصات إعلامية محسوبة على الإعلام الرسمي، لا يمكن قراءتها بوصفها زلات رأي أو سوء تقدير عابر، بل باعتبارها نمطًا خطيرًا من العبث الواعي بالرموز والقيم والذاكرة والوجدان الجمعي.

في الخليج، لا تُقاس الكلمات بوزنها اللغوي فحسب، بل بثقلها الرمزي. ولا تُقرأ الإشارات بمعايير العلاقات العامة، بل بمعايير العرض والشرف والكرامة التاريخية. ومن يظن أن اللعب على الرموز، أو الزج بالنساء، أو المساس بالهوية، يمكن أن يُستخدم كأداة ضغط سياسي، لم يقرأ التاريخ، ولم يفهم الجغرافيا، ولم يُدرك طبيعة المجتمعات التي يتعامل معها. هنا، الرمز ليس مادة تفاوض، بل حصنٌ منيع وجبالٌ شامخة؛ ومن يصطدم بها لا يُسقطها، بل ينكسر عليها.

المشكلة الأعمق لا تكمن في الفعل ذاته، بل في ما يحيط به من صمتٍ أو تواطؤٍ أو تردّد في الإدانة. فالصمت في مثل هذه السياقات لا يُفسَّر حيادًا، بل يُقرأ شاء من شاء وأبى من أبى بوصفه موافقةً ضمنية أو ضوءًا أخضر للاستمرار. والخطورة أن هذا الفهم، إذا ترسّخ في الوجدان الشعبي ، فلن تُجديه بيانات تهدئة، ولا حملات تلطيف ، فالذاكرة هنا طويلة، والكرامة ليست ملفًا يُغلق بتوقيع.

إن الخلط بين الخلافات السياسية، التي تخضع لحسابات السيادة والمصالح والأمن القومي، وبين المشاعر تجاه الشعوب، هو خطأ استراتيجي قاتل. فالشعوب لا تُدار بمنطق الضغط، ولا تُعاد هندسة وعيها عبر الاستفزاز. وكل من يدفع الخطاب إلى هذا المنحدر، إنما يوسّع فجوةً لن تُردم بسهولة، ويصنع أزمة تتجاوز صانعيها، وتخرج من السيطرة الإعلامية إلى الفعل الاجتماعي.

ونحن، كسعوديين، نكنّ لأهلنا وإخوتنا في دولة الإمارات العربية المتحدة كل التقدير والمحبة والاحترام، وتجمعنا بهم علاقات راسخة لا تهزّها أصوات نشاز. غير أن بعض المرتزقة، ومن يقف خلفهم من مستشارين خارجين عن سياق المجتمع الإماراتي وقيمه، لا يدركون هذا العمق، ولا يقدّرون حجم الصبر السعودي. فالسعودي قادر على الرد، لكنه يترفع شيمةً وتربيةً ومنهج دولة، تقديرًا للشعوب ورموزها وموروثها وقيمها، التي تعتبر خطًا أحمر، وحرصًا على عدم الانزلاق إلى مسالك لا تشبهه ولا تعبّر عن قيمه

التحذير هنا ليس انفعالًا، بل قراءة هادئة وصادقة لمسارٍ بالغ الخطورة. فكلفة الاستمرار في هذا العبث ستكون أعلى بكثير من كلفة إيقافه الآن. لأن اللعب على حافة الهاوية قد يمنح شعورًا زائفًا بالحضور، لكنه في النهاية لا يفضي إلا إلى سقوطٍ مُذلٍّ ومدوٍّ