النهار

٢٦ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ يناير-٢٠٢٦       5280

بقلم- د . أحمد بن سعد بن غرم الغامدي

بسم الله الرحمن الرحيم 

المقال يشتمل على مقدمة وخاتمة وخمسة أجزاء 

مقدمة: لماذا نتحدث عن «الضرورة»؟

يحمل عنوان «الضرورة الغائبة» تناقضًا مأساويًا بليغًا؛ فكيف يغيب عن الوعي والممارسة ما تقوم عليه سلامة الأفراد واستقرار الأسر وتماسك المجتمعات؟ الادخار هو ذلك الضامن الصامت الذي لا يُحتفى به في أوقات الرخاء، لكنه يتقدم الصفوف عند أول اختبار. هو الجسر الذي نعبر به من هشاشة اللحظة إلى أمان الغد، ومن الارتهان للطارئ إلى امتلاك القرار.

غير أن مجتمعاتنا المعاصرة، وقد انغمست في ثقافة الاستهلاك الفوري، جعلت من الإنفاق فريضة اجتماعية، وربطت القيمة بالمظهر، والنجاح بما يُرى لا بما يُؤمَّن. وفي هذا المناخ، أُقصي الادخار من الوعي العام، لا بوصفه سلوكًا ماليًا فقط، بل باعتباره قيمة حياتية. ولعل الواقع السعودي ـ بكل ثقله السكاني والاقتصادي ـ يقدم مثالًا صارخًا على هذه المفارقة؛ إذ تشير المؤشرات إلى أن نسبة من يملكون قدرة ادخارية فعلية لا تتجاوز قرابة خمسة في المئة من السكان، وهي نسبة صادمة إذا ما قورنت بحجم الدخل، ومستوى المعيشة، وطموحات الاستقرار.

هذا المقال لا يهدف إلى التذكير بأهمية الادخار فحسب، بل إلى دق ناقوس الخطر أمام كلفة غيابه، وبيان أن ما نعيشه ليس نقص موارد، بل نقص ثقافة.

الجزء الأول: الادخار.. من الفكرة إلى الهوية

المعنى المتجدد للادخار
لم يعد الادخار في عالم اليوم مجرد «كيس نقود» نخبئه للطوارئ، بل تحوّل إلى مفهوم مركّب تتداخل فيه الأبعاد النفسية والاقتصادية والقيمية. إنه فلسفة حياة تقوم على الوعي والتخطيط، وتُدرّب الإنسان على تأجيل اللذة وضبط الشهوة، لا حرمانًا، بل تحررًا من الارتهان.

والادخار بهذا المعنى هو قرار تحرري؛ إذ يمنح صاحبه حرية الاختيار في المستقبل، والقدرة على قول «لا» عند الحاجة، بعيدًا عن ضغوط الدين أو الخوف من الغد. وهو في الوقت ذاته مسؤولية اجتماعية، لأن مدخرات الأفراد حين تتجمع تشكّل وعاء الادخار الوطني، الذي يُغذّي الاستثمار والتنمية ويعزّز مناعة الاقتصاد. وعندما تكون نسبة المدخرين ضئيلة، فإن المجتمع بأسره يعيش على هامش الأمان، مهما بدت الأرقام الكلية مطمئنة.

الأهمية: لماذا يجب أن نبدأ الآن؟
البداية المبكرة للادخار تعني الاستفادة من قوة الزمن والتراكم، حتى لو كانت المبالغ صغيرة. فهي أشبه بزراعة شجرة؛ أفضل وقت لغرسها كان في الماضي، لكن ثاني أفضل وقت هو الآن. وكل تأجيل لا يعني انتظار ظروف أفضل، بل يعني تعميق الهشاشة وتأجيل الأمان، وهو ما يفسر كيف يمكن لمجتمع كبير الموارد أن يظل ضعيف المناعة ماليًا على مستوى الأفراد.

الجزء الثاني: المخاطر الجسيمة لغياب ثقافة الادخار

غياب  ثقافة الادخار  ليس مجرد تفويت لفرصة تحسين، بل تعريض النفس والمحيط لمخاطر حقيقية متعددة المستويات:

1. المخاطر الفردية والنفسية
حين يغيب الادخار، يصبح الفرد عبدًا للطوارئ، سهل الانقياد للدين، فتغدو القروض السريعة والبطاقات الائتمانية حلًا ظاهريًا لمشكلة عميقة. وتتحول الأزمات الصحية أو فقدان العمل من محن عابرة إلى كوارث مالية تهدد الاستقرار والكرامة.

كما يفقد الإنسان قدرته على اقتناص الفرص؛ فلا تعليم متقدم، ولا مشروع واعد، ولا استثمار في توقيت مناسب. ومع الزمن، يتراكم القلق المزمن، ويغدو العيش على حافة العجز نمط حياة، حتى إذا أتى التقاعد انقلب من مرحلة استحقاق إلى مرحلة عوز واعتماد، وهو مصير يتهدد شريحة واسعة حين تكون نسبة المدخرين محدودة للغاية.

2. المخاطر الأسرية والاجتماعية
الضغط المالي من أقوى مسببات تفكك الأسرة، إذ تتحول الخلافات إلى صراع دائم حول النفقة، ويُستنزف الاستقرار النفسي داخل البيت. والأسرة غير المدخرة تعجز عن الاستثمار الحقيقي في تعليم أبنائها وصحتهم، فتُكرَّس دائرة الفقر وعدم الاستقرار عبر الأجيال.

ومع اتساع هذه الظاهرة، يضعف التكافل الاجتماعي، وتزداد الحاجة إلى الإعانات، ويُثقل كاهل المجتمع والدولة بأعباء كان يمكن تقليلها لو كانت  ثقافة الادخار  أكثر رسوخًا وانتشارًا.

3. المخاطر الاقتصادية والوطنية
انخفاض ادخار الأسر يعني ضعف الادخار الوطني، ونقص رأس المال المحلي، وزيادة الاعتماد على التمويل الخارجي. ويصبح الاقتصاد أكثر هشاشة أمام الصدمات، لأن المجتمع الاستهلاكي بلا احتياطي مجتمع سريع الانكسار، مهما بلغت قوته الظاهرية.

الجزء الثالث: الادخار بين القيم والمشروعية الشرعية

قد يظن بعض الناس أن الادخار يتعارض مع التوكل، غير أن هذا الفهم بعيد عن روح الإسلام. فقد جاء القرآن بنموذج التخطيط المالي في قصة يوسف عليه السلام، حين وُضعت سياسة ادخارية أنقذت مجتمعًا كاملًا من المجاعة. ولم يكن ذلك خوفًا، بل حكمة وبصيرة.

كما ثبت أن النبي ﷺ كان يدّخر لأهله قوت سنتهم، في تأكيد صريح على مشروعية الادخار، وأنه تأمين للحاجة لا اكتناز للترف. فالذم الشرعي لم يكن للادخار، بل للاكتناز الذي يعطّل المال عن مقاصده وحقوقه. والادخار، بهذا المعنى، يحقق مقصدي حفظ النفس وحفظ المال، ويصون الكرامة من الذل والسؤال.

الجزء الرابع: بناء ثقافة الادخار.. من النظرية إلى التطبيق

بناء هذه الثقافة يتطلب الانتقال من الخطاب إلى السلوك. ومن أنجع الاستراتيجيات العملية اعتبار الادخار التزامًا ثابتًا لا يُؤجَّل، وتخصيص نسبة من الدخل فور استلامه، مهما بدت صغيرة. كما تمثل الموازنات المرنة، واستخدام التقنيات الحديثة لتتبع المصروفات، أدوات فعالة لكشف الهدر وتحويل النية إلى ممارسة.

وفي زمن التضخم، لا يكفي الادخار النقدي وحده، بل لا بد من ربطه بأدوات تحافظ على القيمة، ليكون الادخار بوابة للاستثمار لا نقيضًا له.

الجزء الخامس: هللة بلس.. نموذج لمعالجة «الضرورة الغائبة»

في مواجهة هذا الغياب الثقافي، تبرز حلول تقنية مثل هللة بلس بوصفها جسرًا ذكيًا بين الواقع الاستهلاكي والمأمول الادخاري. فالتطبيق لا يطلب من المستخدم انقلابًا جذريًا في نمط حياته، بل يعمل على إعادة توجيه هذا النمط نفسه، محولًا كل عملية شراء إلى فرصة ادخار تلقائي.

ومن خلال استثمار نقاط الولاء والخصومات، يُحارب الهدر من جانبيه: تقليل الإنفاق وزيادة الفائض. كما ترفع أدوات التحليل من الوعي المالي، وتساعد المستخدم على رؤية أنماط إنفاقه بوضوح، وهي خطوة أساسية لمعالجة واقعٍ تظهر أرقامه مدى عمق المشكلة.

خاتمة: الادخار.. مسألة حياة لا رفاهية

إن الأرقام التي تكشف ضآلة نسبة المدخرين ليست مجرد إحصاءات، بل إشارات إنذار. الادخار لم يعد ترفًا ولا خيارًا مؤجلًا، بل مهارة بقاء في عالم متقلب. والبدء اليوم، ولو بمبلغ يبدو ضئيلًا، هو قرار باستعادة السيطرة، وبناء حصانة صامتة تحمي الكرامة، وتضمن الاستقرار.

فالادخار، حين يُفهم ويُمارس على حقيقته، يتحول من عبء متوهَّم إلى قوة حقيقية، ومن ضرورة غائبة إلى وعي حاضر، ومن خوف من الغد إلى استعداد كريم له. وأعظم استثمار، في النهاية، هو الاستثمار في أمن الإنسان نفسه.