النهار

٢٦ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ يناير-٢٠٢٦       7315

بقلم الإعلامي ـ محمد الفايز

في زمن الضجيج المفتعل، وتضليل الوعي، ومحاولات طمس الحقيقة، تظلّ الوقائع الموثّقة بالتواريخ والأرقام والمستندات هي السلاح الأقوى في مواجهة الخطاب الزائف، وهي الصوت الذي يخترق جدار الصمت، ويكسر طوق التزييف مهما اشتدّ.

لم تأتِ الحقائق عبثًا، ولم تُكشف صدفة؛ بل ظهرت حين بلغ التضليل مداه، وحين ظنّ بعضهم أن الذاكرة تُمحى، وأن التاريخ يُعاد كتابته وفق أهوائهم، وأن الشعوب تُقاد بالعاطفة لا بالوعي. لكن الحقيقة، مهما أُحيطت بسياج الإنكار، ومهما تزيّنت بأقنعة الفضيلة المصطنعة، تظلّ قادرة على هزّ من في داخله مرض الحقيقة، لأن مواجهة الذات أصعب من مواجهة الخصوم.

إن من يُنكر حجمه الطبيعي، ويتجاوز حدوده بدافع عقدة النقص، لا يصنع مشروعًا سياسيًا، بل ينسج وهمًا مؤقتًا سرعان ما يتهاوى أمام أول اختبار. فالعُقد لا تُدار بالخطابات المُمنهجة ، ولا تُبنى الدول على الأوهام، ولا تُصان السيادة عبر التآمر والعبث بأمن الآخرين. والتاريخ لا يرحم من جعل من الفوضى وسيلة، ومن المليشيات أداة، ومن الدم طريقًا للنفوذ.

وحين نتأمل المشهد الإقليمي، نجد أن بعض القوى، وقد أُغرِيت ببريق السلطة السريع، اختارت أن تلوّث يديها في صراعات الدول، وأن تغذّي المليشيات، وأن تستثمر في الفوضى، ظنًا منها أن الخراب طريق مختصر إلى الهيمنة. لكنها غفلت عن حقيقة راسخة: أن الفوضى لا تُنتج إلا مزيدًا من الفوضى، وأن من يزرع الدم لا يحصد إلا الدمار، وأن مشاريع التقسيم لا تصنع استقرارًا، بل تؤسس لأجيال من الصراعات المفتوحة.

إن من تورّط في العبث بأمن الدول، وساهم في تمزيق المجتمعات، ومارس القتل الموحش عبر وكلائه، لا يملك اليوم حق الادّعاء الأخلاقي، ولا يحق له ارتداء عباءة النصح أو التباكي على القيم. فالقيم لا تُجزّأ، والإنسانية لا تُستدعى انتقائيًا، والمبادئ لا تُستثمر كأدوات سياسية.

وحين تتكلم الوثائق، وتتكشّف الوقائع، وتسقط الأقنعة، تتعرّى السرديات المصنوعة، ويظهر حجم التناقض بين الخطاب والممارسة. هنا، لا تنفع الحملات الإعلامية الموجّهة، وإن حُجب مقالٌ صوته دويٌّ عالٍ، واخترق أصواتهم النشاز بحجّةٍ، ودليلٍ، وبالبرهان، ولا يجدي شراء المنابر، ولا يُجدي تلميع الصورة، لأن الحقيقة حين تحضر، تُسقط كل محاولات التزييف، وتعيد ترتيب المشهد من جديد.

إن أخطر ما في هذا المشهد، ليس حجم المؤامرات، بل محاولة تطبيع الفوضى في وعي الناس، وتسويق الانحراف بوصفه سياسة، والخراب باعتباره إنجازًا. وهنا تتجلى مسؤولية الإعلام الوطني، في أن يكون خط الدفاع الأول عن وعي المجتمع، وحارس الحقيقة، وكاشف التضليل.

فالإعلام ليس ناقلًا محايدًا للأحداث حين يتعلق الأمر بأمن الأوطان، بل هو جزء من منظومة الحماية، وسند للقرار الوطني، ورافعة للوعي الجمعي. ومن هنا، فإن معركة الوعي لا تقل خطورة عن معركة الميدان، بل قد تكون أشد أثرًا وأبعد مدى.

ووسط هذا الصخب، تبرز نماذج الدول التي اختارت طريق الاستقرار، وبناء الإنسان، وترسيخ مفهوم الدولة، وتقديم التنمية على الفوضى، والمؤسسات على المليشيات، والشرعية على الانقلابات. دولٌ آمنت بأن النفوذ الحقيقي لا يُبنى بالخراب، بل بالاستثمار في الإنسان، وبناء الاقتصاد، وتعزيز الأمن، وصناعة الأمل.

وهنا، يتأكد أن المشاريع التي تُقام على عقد النقص، وتغذّيها أطماع النفوذ، محكوم عليها بالانكشاف، مهما طال زمن التمويه. فالتاريخ لا ينسى، والدم لا يجف، والوثائق لا تحترق، والحقيقة، وإن تأخرت، لا تموت.

إن “المقال الذي اخترق الصوت” ليس نصًا عابرًا، بل لحظة وعي، ورسالة تنبيه، وجرس إنذار، بأن زمن التسويق الأجوف يوشك أن ينتهي، وأن زمن المحاسبة قادم لا محالة. فحين تتكلم الحقيقة، يصمت الزيف… وحين ينكشف الواقع، تسقط الأقنعة.