النهار

٢٦ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ يناير-٢٠٢٦       12100

بقلم – هلا الخباز
كثيرًا ما مرّت مواقف أمام عيني، احتشد حولها المديح، وانطلقت الثناءات العاطفية بسلاسة لافتة:الصابرون، المرابطون، الأقوياء…
مصطلحات نُحبّها لأنها مريحة، ولأنها تعزز من سماتنا الإنسانية، ولأنها تحيطنا بهالة من الإيمان والقوة، ولأنها تمنحنا شعورًا زائفًا بأن الألم ليس عبثًا، وأن العجز يمكن إعادة تسميته ليبدو كريمًا.
كنتُ أصمت وأنا أرسم ابتسامة جانبية مطبقة على شفتي حتى لا أعطي وجهة نظري الشخصية جداً بالموضوع، أصمت لا قناعةً، بل خشية أن أُتهم بقسوة الشعور، أو بالانحياز، أو بعدم الإنسانية وبأن الواضع يديه في الماء يختلف عمن يضعهم في النار.
لكن في قرارة داخلي وفي همساتٍ سرّية للمقرّبين، كنت أُردّد فكرة لم أجد لها مساحة في المجالس العامة بأن الصبر في بعض المواقف ليس فضيلة بل هو حيلة العاجز.
حيلة من لا يملك مفتاحًا لأي باب، حيلة من وُضع في غرفة بلا نافذة، بلا شقٍّ للضوء.. فلم يجد منفساً سوى أن يضغط على الكاميرا ويبث رسائله للعالم بأني هنا صابر محتسب، يبث رسائل ينفث فيها عن غضبه و يضفي البطولة على جلوسه ليخفي قلة حيلته ويكسو عجزه بألفاظ سامية كي يحتمل البقاء.
هو شبيه بما قاله فيلسوف الأخلاقية الاجتماعية إيريك هوفر:" الاستسلام يبدأ حين نقنع أنفسنا بأن لا جدوى من المحاولة".

أو بما قاله أبو حيان التوحيدي وهو يصف فيها السبب الذي يدفعنا لقوة التحمل أحيانا: " ربما احتمل الإنسان لأنه لم يجد طريقًا إلى الرفض".
وقبل أن أكمل انا لا أقلل من أي مأساة، ولا اقصد قضية، ولا أعمم حتى لا ينهال على غضب السماوات.. أن هنا لأشارككم وجهة نظر لا أكثر، أشارككم محطة توقفت عندها كثيراً، وأنا أتأمل كيف يتم تأريخ البطولات؟
الصبر في كثير من الحالات لا يُختار، بل يُفرض.. هو ليس قراراً ناضجاً بل أخر ما يتبقى للإنسان من فعل المقاومة حينما تسحب منه كل أدوات الفعل، وحينما يصبح الصبر وسيلة للدفاع أو للبقاء، لا قيمة أخلاقية حقيقية.
في علم النفس، وُصفت حالة قريبة من هذا المعنى بمفهوم "العجز المتعلم "، حين يتعرض الإنسان لمواقف متكررة يفشل فيها، مهما حاول، يبدأ عقله بتبنّي قناعة داخلية بأن المحاولة بلا جدوى، فيتوقف عن السعي حتى عندما تتغير الظروف لاحقًا، في هذه الحالة، لا يعود الصبر قوة، بل انسحابًا داخليًا، يترجمه المتلقي من خلف الشاشات على أنه صبر على البلاء.. وهنا تكمن المفارقة الحقيقية حينما نمدح الصابر بأنه لم يصرخ، لم يثر، بينما قد يكون ما نراه قوة… مجرد استنزاف بلغ نهايته.
لو تأملنا معظم المواقف التي يُمجّد فيها الصبر، سنكتشف شيئًا غير مريح فيها، أن الصابر غالبًا لم يكن يملك بديلًا.. أكاد أجزم بيقينٍ لا يخلو من المرارة أن من نثني عليهم اليوم لثباتهم، لو وُضع المفتاح في كفّ أحدهم، لركض خارجاً بلا تردد ناسياً الولد والتلد.

يقول عالم النفس الألماني  إريك فروم :" كثير من الناس يخلطون بين التكيّف مع الواقع وبين الصحة النفسية “. لأن أخطر ما في الصبر غير الواعي، أنه يكافاً اجتماعياً فيتأرجح صاحبه بين كفتين هل أنا قوي ؟ أم متعب؟
الهروب هنا ليس خيانةً، بل فطرة. فالإنسان لا يُحب القيد… بل يتعايش معه عند الضرورة.
خلاصة القول: ليس كل صبر ضعفاً لكن ليس كل صبر قوة، الصبر شجاعة حين يكون خياراً لا ضرورة.. الصبر يتحول إلى حيلة حينما يصبح بديلاً عن الفعل لأن الفعل غير متاح. 
الإنسان لا يحتاج أن ينتصر دائمًا، لكنه يحتاج ألا يُجبر على تسمية العجز فضيلة.. ليس المطلوب أن نصبر.. بل أن نختار، فالقوة الحقيقية ليست في طول الاحتمال، بل في امتلاك الحق والقدرة على القرار.