الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٤ يناير-٢٠٢٦       7975

عبد الرب الفتاحي ـ النهار

يشهد قطاع التعليم في اليمن تدهورًا متسارعًا يُنذر بتداعيات خطيرة على مستقبل الأجيال القادمة، في ظل تداخل أزمات إدارية واقتصادية وسياسية أسهمت في إضعاف النظام التعليمي وتقويض قدرته على ضمان الحق الأساسي في التعليم. وتشير معطيات ميدانية ومصادر تعليمية محلية إلى أن هذا التدهور لم يعد ظرفيًا أو عابرًا، بل بات أزمة بنيوية تهدد الاستقرار الاجتماعي والتنمية البشرية في البلاد.

وتفيد مصادر عاملة في القطاع التعليمي بأن نسبة تسرب المعلمين من المدارس الحكومية في عدد من المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا وصلت في بعض المناطق إلى ما بين 70 و80%، نتيجة عدم انتظام صرف الرواتب وتراجع الأوضاع المعيشية، إلى جانب ضعف الحوكمة الإدارية. وقد أدى هذا التسرب الواسع إلى تعطّل جزئي أو كلي للعملية التعليمية في مئات المدارس، لا سيما في المناطق الريفية والمهمشة.

وفي هذا السياق، قال الخبير التربوي رضوان سفيان أحمد إن ما يشهده قطاع التعليم في اليمن «يعكس أزمة عميقة في السياسات التعليمية»، مشيرًا إلى أن غياب المعلمين وانتشار الممارسات غير النظامية داخل المؤسسات التعليمية أديا إلى تراجع جودة التعليم، وتحويل العملية التعليمية إلى نشاط شكلي يفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير التربوية. وأضاف أن الاعتماد المتزايد على معلمين متطوعين يتقاضون حوافز محدودة أسهم في إضعاف مخرجات التعليم، وقلّص فرص الطلاب في اكتساب المهارات الأساسية.

ويؤكد معلمون وأولياء أمور، في إفادات متطابقة لـ«النهار»، أن آلاف الطلاب يواصلون تعليمهم من دون الحصول على مناهج دراسية مطبوعة أو محدثة، حيث يعتمد التعليم في بعض المدارس على نسخ محدودة من الكتب يحتفظ بها المعلمون، أو على مواد تعليمية غير مكتملة. ويرى تربويون أن هذا النقص أسهم في ارتفاع معدلات التسرب المدرسي وتراجع مستوى التحصيل العلمي.

من جانبه، أشار الخبير التعليمي فهمي عبد الله ناجي إلى أن توسع التعليم الخاص خلال السنوات الأخيرة جاء على حساب التعليم الحكومي، في ظل ضعف الرقابة وتضارب المصالح داخل القطاع التعليمي. وأوضح أن رسوم التعليم في المدارس الخاصة تصل في بعض المحافظات، مثل تعز، إلى نحو ألف دولار سنويًا للطالب الواحد، فيما تتراوح في محافظات أخرى بين 500 و1000 دولار، وهو ما يجعل التعليم خارج متناول شريحة واسعة من الأسر اليمنية.

وأضاف فهمي أن ارتباط بعض المسؤولين في القطاع التعليمي بالاستثمار في المدارس الخاصة أسهم في إضعاف التعليم الحكومي، وكرّس فجوة عدم المساواة بين الطلاب، محذرًا من أن هذا الواقع «يقوّض مبدأ التعليم كحق أساسي، ويحوله إلى امتياز مرتبط بالقدرة المالية».

ويحذر خبراء تربويون من أن استمرار تدهور النظام التعليمي ستكون له آثار بعيدة المدى، تشمل ارتفاع معدلات الأمية، وتراجع فرص التوظيف، وزيادة مخاطر عمالة الأطفال والتجنيد المبكر، فضلًا عن تقويض فرص التعافي وإعادة البناء في مرحلة ما بعد الصراع. ويرون أن حرمان الأطفال من التعليم المنتظم لا يمثل أزمة تعليمية فحسب، بل يشكل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاجتماعي والسلام المستدام.

ويجمع مختصون على أن معالجة أزمة التعليم في اليمن تتطلب تدخلات شاملة، تبدأ بإصلاح الحوكمة التعليمية، وضمان انتظام صرف رواتب المعلمين، وتعزيز نظم الرقابة والمساءلة، وتنظيم قطاع التعليم الخاص، وضمان توفير المناهج الدراسية لجميع الطلاب دون تمييز. كما يؤكدون أهمية دعم المجتمع الدولي لبرامج التعليم في اليمن، باعتباره ركيزة أساسية من ركائز الاستجابة الإنسانية والتنمية طويلة الأمد.