النهار
بقلم ـ الدكتور سعود عقل
تعد الكرامة الإنسانية المبدأ الأسمى الذي تدور حوله منظومات حقوق الإنسان، فهي القيمة المتأصلة في كل فرد لمجرد كونه إنساناً.
وفي سياق القانون الجزائي، لا تقتصر الكرامة على كونها شعاراً أخلاقياً، بل هي قيد قانوني ملزم يوجه سلطة الدولة في العقاب ويمنع تحول العدالة إلى وسيلة للتشفي أو الإهانة.
فالعلاقة بين القانون الجزائي والكرامة الإنسانية هي علاقة تلازمية؛ فإذا كان هدف القانون هو حماية المجتمع عبر معاقبة المجرم، فإن حدوده تقف عند عدم المساس بجوهر إنسانية هذا المجرم.
تستمد القوانين الجزائية الحديثة روحها من الدساتير والمواثيق الدولية (مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان)، التي تنص على أن "كرامة الشخص الإنساني مصونة".
هذا يعني أن الفرد، حتى وإن ارتكب جريمة، لا يفقد حقوقه الأساسية ولا يجوز معاملته كشيء أو كأداة لتحقيق الردع العام.
وتتجلى حماية الكرامة في الإجراءات الجزائية من خلال عدة ضمانات:
• حظر التعذيب: المنع المطلق لاستخدام العنف الجسدي أو المعنوي لانتزاع الاعترافات، باعتبار التعذيب أقصى درجات إهدار الكرامة.
• قرينة البراءة: التعامل مع المتهم بوصفه بريئاً حتى تثبت إدانته، مما يحميه من التشهير أو المعاملة المهينة قبل صدور الحكم.
• الحق في الخصوصية: وضع قيود صارمة على تفتيش الأشخاص والمنازل لضمان عدم انتهاك حرماتهم إلا في حدود الضرورة القصوى.
وقد شهد التاريخ تحولاً من "عقوبات الجسد" (كالتنكيل والتمثيل بالجثث) إلى "عقوبات سلب الحرية". وتظهر حماية الكرامة هنا في:
• أنسنة السجون: تحويل السجن من مكان للتعذيب إلى مؤسسة للإصلاح والتأهيل، مع ضمان توفر ظروف معيشية وصحية لائقة.
• إلغاء العقوبات المهينة: استبعاد العقوبات التي تهدف إلى إذلال الجاني أمام الملأ أو الحط من قدره الاجتماعي.
• مبدأ تناسب العقوبة: ضمان أن تكون العقوبة متناسبة مع الجرم، لأن العقوبة المفرطة في قسوتها تعد اعتداءً غير مبرر على الكرامة.
ورغم القوانين، تبرز تحديات جديدة تهدد الكرامة الإنسانية، منها:
• الرقابة الرقمية: استخدام التكنولوجيا في التجسس والملاحقة الجزائية دون ضوابط.
• الاكتظاظ السجني: الذي يحول بيئة الاحتجاز إلى مكان غير صالح للحياة البشرية.
وفي الختام، إن حماية الكرامة الإنسانية في القانون الجزائي ليست "ترفاً" أو انحيازاً للمجرم، بل هي صمام أمان للمجتمع بأسره.
فالدولة التي تحترم كرامة المذنبين في قاعات محاكمها وسجونها، هي دولة تؤكد جدارتها الأخلاقية وتصون كرامة مواطنيها الشرفاء بالتبعية.
إن القانون الذي لا يحمي الكرامة هو قانون يفتقد لروح العدالة.