النهار

٢٢ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٢ يناير-٢٠٢٦       7810

بقلم - علي بن عيضة المالكي

حتى وإن بدا العنوان ملفتًا للانتباه، أو غريبًا بعض الشيء إلا أنه يتناول ويشرح فلسفة دلالية تحاكي الفكر الإنساني بكل عمق تشده نحو البحث عن مخزن الإجابة وفصلها عن ثقة الفهم وثقة التلقي.

لندخل في الموضوع من بوابة الاكتشاف لحدود المعرفة والحكمة ، حتى نعيد معه بناء اليقين عبر هدم المسلمات.

تعتبر الجهالة حين ترتدي لباس اليقين من أكثر الظواهر الفكرية التباسًا، إذ تفقد المعرفة معناها حين تتحوّل القناعة إلى نهاية مغلقة للفهم، وحين يصبح الاطمئنان حاجزًا يمنع التقدّم بدل أن يكون ثمرة له. في هذا المقام، يتبدّى الجهل في صورة مكتملة الملامح، واثقة الخطى، تتحدث بلهجة القطع، وتستعير مفردات الحقيقة دون أن تمرّ بتجربة السؤال، فلنتناول هذا المفهوم من عدة زوايا:

أولاً/ من الزاوية الدلالية، تكشف العبارة عن مفارقة عميقة؛ فالجهالة عادةً تقترن بالفراغ المعرفي، غير أنّها هنا تتزيّن بالامتلاء المزيّف. اليقين يتحوّل إلى قناع، والمعرفة إلى شكل خارجي منزوع الروح. هذا التحوّل الدلالي يفضح خطرًا خفيًا، يتمثل في الخلط بين الثقة الناتجة عن الفهم، والثقة المتولّدة من التكرار والتلقّي.

ثانيًا/ من الزاوية الفلسفية، فإن تاريخ الفكر الإنساني يكشف أن الشكّ المنهجي كان دائمًا بوابة الاكتشاف. سقراط جعل من الاعتراف بحدود المعرفة بداية للحكمة، وديكارت أعاد بناء اليقين عبر هدم المسلّمات. حين يغيب هذا المسار، يتحوّل اليقين إلى حالة سكون ذهني، ويتحوّل العقل من أداة بحث إلى مخزن إجابات جاهزة. في هذا السياق، تصبح الجهالة أكثر رسوخًا حين تعتقد أنها وصلت إلى النهاية.

ثالثًا/ من الزاوية الثقافية، تتغذّى هذه الظاهرة في البيئات التي تُقدّس المألوف وتمنح الإجابة الموروثة قيمة أعلى من السؤال المتجدد. الثقافة التي تكتفي بإعادة إنتاج الأفكار نفسها، مهما بلغت فصاحتها، تهيّئ الأرض لليقين الصلب الذي يعادي التحليل. هنا يظهر الخطر في صورة خطاب منمّق، يستخدم البلاغة للتأكيد بدل الإيضاح، ويستعمل اللغة أداة تثبيت بدل أن تكون وسيلة كشف.

رابعًا/ من الزاوية الاجتماعية، تتجلّى الجهالة المتيقّنة في النقاشات العامة، حيث ترتفع نبرة الجزم، ويتراجع الإصغاء، وتُختزل القضايا المركبة في عبارات حاسمة. هذا النمط من التفكير يعزّز الاستقطاب، ويقلّل فرص التفاهم، ويصنع مساحات صراع أكثر من كونه يفتح مسارات وعي. المجتمع الذي تسوده هذه الحالة يكثر فيه الحديث، ويقلّ فيه الفهم العميق.

خامسًا/ من الزاوية البلاغية: تكمن قوة العبارة في التضاد بين ظاهرها وباطنها. الجهالة فعل خفاء، واليقين فعل ظهور. اجتماع النقيضين يولّد صورة ذهنية صادمة، تجعل القارئ في حالة انتباه، وتدعوه إلى مراجعة مسلّماته الخاصة. البلاغة هنا ليست ترفًا لغويًا، وإنما وسيلة تفكير، تدفع نحو مساءلة ما يبدو بديهيًا.

تعزيز علمي في القول الأخير:

لا شك أن العلوم المعرفية تدعم هذا الطرح عبر ما يُعرف بتأثير دانينغ–كروغر، وهو انحياز معرفي موثّق يشير إلى أن الأفراد ذوي المعرفة المحدودة يميلون إلى المبالغة في تقدير فهمهم، بينما يميل ذوو الخبرة الواسعة إلى تقدير أكثر تحفظًا لقدراتهم. هذا التأثير يفسّر كيف تتشكّل الجهالة الواثقة علميًا، وكيف يصبح اليقين أحيانًا علامة على قصور المعرفة وليس على اكتمالها. من هنا، يتأكد أن الوعي الحقيقي يرتبط بالمرونة الذهنية، وبالاستعداد الدائم لمراجعة الفهم، وبإدراك أن المعرفة مسار مفتوح يتّسع بالسؤال ويتعمّق بالتأمل.